عُرفت أحلام مستغانمي، عربيا وعالميا، بصفتها كاتبة متوهجة تتربع باطمئنان على عرش الإبداع الروائي، منذ أن أصدرت روايتها الأولى «على مرفأ الأيام» عام 1973.
تتفرد بـ «سيبويهيتها» (إن صحت النسبة إلى سيبويه) في «لغة الجسد» التي طبعت إبداعاتها، وخاصة في ثلاثيتها الشهيرة «ذاكرة الجسد»، «فوضى الحواس» و«عابر سرير». كما تميزت بمقدرتها الفذة على حياكة هذه اللغة حبكات أنيقة في رواياتها السابحة في فضاءات الرؤى. هذا هو الوجه المعروف والمألوف لـ «أحلام»، فماذا عن الوجه الآخر؟ إنه، باقتضاب وببساطة، وجه «إنساني»، بكل ما تنوء به هذه الكلمة من المعاني والدلالات التي لا تنضب. اختارت على الدوام، وربما أجبرها إبداعها، وللإبداع «جَبْرِيته» الخاصة وجبروته أيضا، أن تتخطى اللآلئ المنثورة، لتغوص بعيدا في الأعماق، بحثا عن الدرر التي لا يدركها إلا النوادر من الغواصين المهَرة.
بالطبع، لا قدرة ولا مساحة لمجاراة أحلام في ولعها وولَهِها بارتياد الأعماق أو تسنم الفضاءات، لكنها إطلالة من السفح نحو هذه القمة الشاهقة بوهجها المتلألئ، دون التفكير في التسلق إليها، فذلك وهم، بل أضغاث أحلام.
يقال «في البحر عَجَب وفي النساء عَجَبان»، لكن عجائب النساء لا نهائية. ففيهن كل عجائب خَلْق الإنسان؛ من عبقرية خارقة ومن طيبة إلى حد السذاجة والجهالة، بقدر ما فيهن من الضعف والقوة، والعنفوان والاستكانة..
وفيهن كل ما خلق الله من عجائب في الطبيعة؛ بشطآنها الحالمة وعواصفها الهائجة، وما فيها من ينابيع رقراقة وسيول جارفة كأنها «تسونامي» في أوج الاضطراب المناخي.. و«أحلام» نموذج لهذا الكل في واحد، والواحد بتنوعه وتعدد أبعاده ومساربه. ولدت أحلام من رحم ثورة الشهداء، قبل سنة من اندلاع ثورة الاستقلال الجزائرية عام 1954.
كان والدها محمد شريف مناضلا شرسا ضد الاستيطان الفرنسي، واعتقل عدة مرات في سجون الاستعمار، قبل أن ينفيه المستعمرون إلى تونس، حيث ولدت ابنته الكبرى أحلام. وكان منزل العائلة مقرا وموئلا لاجتماعات المناضلين ولقاءاتهم، ومَعْبرا للقادمين منهم للعلاج في تونس. وقد كان تأثير الوالد كبيرا وعميقا في ابنته البكر، فهو مفتاح شخصيتها ومحور كل أعمالها الأدبية.
امتهنت العمل الإعلامي مبكرا وهي لم تتجاوز الثامنة عشرة،. دخلت ميدان الإبداع الأدبي من مدخل الشعر، وليس الرواية كما قد يتصور البعض، حيث أصدرت ديوانها الأول عام 1971.
متزوجة من صحافي لبناني ولها ثلاثة أبناء، وتقيم منذ سنوات في بيروت التي تعتبرها «أما بالتمني»، وليس التبني! يقول عنها والدها «إن كنت جئت إلى العالم فقط لأنجب أحلام، فهذا يكفيني فخراً»، بينما يصفها الرئيس المناضل أحمد بن بيلاّ بأنها «شمس جزائرية أضاءت سماء الأدب العربي».
أما نزار قباني فيقول عن روايتها «ذاكرة الجسد» إنها «نص مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني، وخارج على القانون مثلي».
أما هي فتؤكد أنه، لا الخجل ولا الإباحية يصنعان أدبا، «فالخجل إنكار لمنطق الجسد، والإباحية إهانة لإنسانيتنا».على مدخل موقعها الالكتروني كتبت: «لتُشفى من حالة عشقية، يلزمك رفاة حب، لا تمثال تُواصل تلميعه بعد الفراق».. ولعل هذه الإيماءة تذكرة عبور إلى بوابات عالمها اللامتناهي.
عبد الله إسحاق

