لماذا عندما يتبادر للأذهان لوحة ممطرة يسودها السكون البارد والطرقات المبللة، تمتلئ النفس بالسعادة والتفاؤل والعاطفة الممزوجة بالحزن غالبا؟ لماذا يعبر الشتاء رغم برودته عن دفء المشاعر وطمأنينتها؟ لماذا تغنى الشعراء بقطرات الأمل وعزفت القلوب أوتار العشق وتوج العشاق ملوكا في ليلة ماطرة؟
لماذا دائما تتناثر لحظات الفراق تحت مظلات كان قد حملها أناس تشابكت أيديهم ذات يوم بصحبة في يوم شبيه، اختلطت فيه دموعهم بقطرات المطر فكللتها بمشاعر صادقة، صافية كتلك القطرات المنهمرة؟ لماذا خلدت أجمل الذكريات، ودونت أبهج اللحظات في مذكرات كانون الثاني؟ ما الذي تحمله هذه القطرات حتى تصبح رمزا للحب وللحزن وللفراق، وأيضا للحنين والأمل؟
فتصبح الطرقات حينها مأوى لقلب افتقد دفئه أو روحا خرجت تبحث عن نفسها؟ لماذا مع المطر يتكلم العالم كله لغة واحدة، هي لغة السحر والجمال، وتكتب تلك المنسابة الابتسامة الساحرة على شفاههم عبر رسائل لغتها الوحيدة الصمت. فما أجمل هذا الفصل، الذي يعيد للقلوب صفاءها ويعيد للنفوس سكونها، بفضله وحده، بفضل المطر.
غفران جودة ـ الشارقة
