إلى وقت قريب والمجتمعات العربية قاطبة تزخر بمظاهر الاحترام والتقدير للآباء والأمهات وللكبار عامة، ولم تكن هناك أدنى ملامح العقوق وعدم الاحترام «إلا من رحم ربي» واليوم لا يبدو الأمر قد استبقى الكثير أو القليل مما كان، وقد تغيرت كثيراً من ملامح الحياة، وتبدلت العديد من المظاهر الاجتماعية والتقليدية الراسخة، وانصهرت العادات الحميدة في كومة من العناصر الدخيلة التي أزاحت عن وجه الحياة الزاهية فطرة الاحترام الواجب، وقيمة التقدير والطاعة. وهنا تفسير لواقع العلاقة بين الآباء والأبناء، يسرده بعض الشباب:

يونس علي: بالتأكيد لم تعد مظاهر الاحترام والتقدير للوالدين كما كانت في السابق، وبحسب اعتقادي فإن المسؤولية تقع إلى حد كبير على كاهل الوالدين، فهما اللذان منحا أطفالهما كل أسباب الدلال والبذخ والرخاء بلا أدنى حس للمسؤولية والمراقبة والمحاسبة، حتى أمسى الأبناء في واقع جديد يأخذهم إلى آفاق أكثر اتساعاً وتشتتاً، وفي تلك الأثناء لا تجد الأب أو الأم حريصين على محاسبة الصغير ووضع الحدود أمامه، أو حتى قول كلمة لا في وجهه، وبالتالي اختفت من تلك العلاقة ملامح الحزم والمحاسبة، وبالتأكيد لن يجد الابن حرجاً في قول كلمة لا أو «أفٍ لهما» طالما أنه لن يعاقب عليها وقد اعتاد الدلال المفرط منذ الصغرً.

فيصل غانم: العقوق لافت هذه الأيام، والأهل يتحملون المسؤولية شبه المطلقة، لأن الطفل حينما يكون صغيراً يشبه العجينة، وكما تريد تصنع منه، ولكن للأسف فإن كثيراً من الآباء هذه الأيام لا يلتفتون إلى أبنائهم كما يجب، وتجد الشباب الصغار يذهبون بلا رقيب إلى كل الأماكن، فهم في المراكز التجارية والسينما وفي كل اتجاه، وفي المقابل لا يعلم الوالدان عنهم أي شي، وتلك فجوة سلبية خطيرة، والسبب فيها ضعف أو انعدام التواصل الإيجابي المبني على الثقة والاحترام والتقدير بين الآباء والأبناء، وغيابه منذ السنوات الأولى، في تكوين الأسرة.

سعيد محمد: أرى أن الدلال الزائد في مرحلة الطفولة، وتلبية رغبات الصغار بلا حدود، هما المسؤولان المباشران عن الفجوة المتعاظمة في علاقة الأب بالأبناء من حيث الطاعة والاحترام، فالآباء في هذه الأيام منحوا أبناءهم كل أسباب ومؤهلات الحياة العصرية والتواصل مع العالم الخارجي، وذلك في مرحلة سنية مبكرة وتعتبر حرجة، فهناك «بلاك بيري» وانترنت ودراجات وسيارات، وهو ما تسبب في خلق مزيد من الاستقلالية الخاطئة والمبنية على أسس غير تربوية، فأصبح الابن يرفض وصاية الأب ولا يتقبلها في كثير من المواقف، وذلك أفضى إلى عصيان وعدم احترام وبالتالي عقوق، حيث أن للفجوة المعرفية صلة مؤكدة في هذا الشأن.

راشد عبدالله: لا يمكن تعميم صفة عدم احترام الوالدين على جيل الشباب، فتلك العلاقة مرتبطة بالبيئات الاجتماعية والتربوية، وكما أحسب فإن الكثيرين من الشباب هذه الأيام يحتفظون بملامح احترام وتقدير لأولياء أمورهم، ويوجد في المقابل قسم آخر من الشباب لا ينتمون إلى وسط أصيل يمتلك أو يحتفظ بالعادات والتقاليد التي تربى عليها آباؤنا وأجدادنا، والسبب يكمن في البيت.

الأهم من ذلك أنه يتعين على الآباء أن يسمعوا أبناءهم كلمة «لا» ولا يتركونهم كما يشتهون، ويجب أيضاً أن يكون الأب وسطياً في تربيته للأبناء، يعاقب ولو بالضرب في حدود التربية ويوافقهم في ما يساهم بالتنشئة القويمة، وهنا يجدر على الآباء الإمساك بالعصا من الوسط.

راشد الحمادي: الاحترام لا يزال موجوداً، والأبناء قطعة من جسد آبائهم، وكما يكون الوالدان يكون الأبناء، والملاحظ أن نسبة العقوق وعدم الاحترام في تزايد ملحوظ في المجتمع، ومرد ذلك عدم اهتمام الآباء وعدم منحهم أبناءهم الوقت والقدر الكافيين من الاهتمام، وبينما تجد الوالدين منشغلين في العمل والوظيفة، تلمح في المقابل اهتمام الأبناء متزايد بالانترنت والمسلسلات التركية والخروج إلى المنتزهات مع رفقاء السوء، وذلك الواقع أفرز للأسف مزيداً من ملامح البعد الاجتماعي وضعف التماسك الأسري، ومن البديهي أن تجد النتيجة عدم احترام الابن للأب على النحو الذي كان سائداً في الماضي.

خليفة المهيري: أنا أجزم تماماً أن العلاقة الحالية بين الآباء والأبناء يشوبها كثير من الأخطاء المتبادلة، فالأب اتجه كلياً نحو العمل والبقاء بعيداً عن البيت، والأبناء انحرفوا بلا رقيب إلى مغريات الحياة العصرية، تجدهم وبكل بساطة يخرجون من البيت دون أن يخبروا أحداً، يتحدثون لساعات مع البنات، ويتسكعون في (المولات) متسلحين بكافة ملامح الضياع الإلكترونية، فيما الأم لا تقوى حتى على توجيه السؤال لولدها، والأكثر سلبية في ذلك أن الأبناء اعتادوا وبكل بساطة الكذب على أهاليهم في مختلف الأمور، وتلك نتيجة حتمية لحالة البعد التي يجسدها جيل منهك بالعمل وأبناء تسرقهم الحياة المكتسية بلون الحداثة والمعاصرة.