«آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان»، حديث شريف يبين صفات الإنسان المنافق، وهي صفات مقيتة تدل على ضعف الشخصية وتلاعب صاحبها والكذب في ما لا يجوز، ولنا من الحديث الشريف الصفة الأولى وهي الكذب، نتناولها اليوم من داخل البيوت، وعلى وجه الخصوص بين الأزواج.

الأديان السماوية بشكل عام حرمت الكذب، وديننا الإسلامي الحنيف أكد على هذا التحريم مهما كانت الأسباب، وإذا كان يحلو للبعض أن يقسم الكذب إلى أسود وأبيض بهدف التخفيف أو اختلاق الأعذار، فإن الكذب لا يعرف الألوان. ومن ناحية أخرى وبعيداً عن الشق الديني والإيماني، فإن شخصية الإنسان الكاذب غالباً ما تكون ضعيفة وصاحبها لا يقوى على المواجهة، وعند البعض يكون الكذب ساتراً يخفي أشياء لا نريد للآخرين معرفتها، لكن ما هو مبرر الكذب بين الأزواج؟، وهل تستقيم الحياة الزوجية وطرفاها يكذبان على بعضهما البعض، أو أحدهما على الأقل يكذب على الآخر؟.. الكذب بين الأزواج قضية بسيطة في ظاهرها، وقد يراها البعض نوعاً من التفكه، لكنها خطيرة في جوهرها، والغوص في تفاصيلها قد يأخذنا إلى أجوبة قاسية، فما هو رأي الأزواج والزوجات؟

من وجهة نظره، يرى هاني حلمي ؟ موظف ؟ أن الكذب بجميع أشكاله ما هو إلا ستارة يتخفى وراءها كل إنسان عديم الضمير وضعيف الإيمان والشخصية، وديننا يحرم الكذب لأنه يفتح الطريق أمام أفعال الشيطان، وعندما يكون الكذب متعلقاً بالأزواج، فنحن في الأصل نتحدث عن قضية أسرية اجتماعية في غاية الأهمية.

شخصية مهزوزة

وفي السياق نفسه تقول آمال كافي: بشكل عام أكره الكذب والكذابين، لأنه بداية الطريق نحو الموبقات والسلوكيات المشينة، ولا أعترف بكذبة صغيرة وأخرى كبيرة، فمن يبدأ بالصغيرة فهو لا محال في طريقه للكذب في أمور كبيرة، وأنا إذ أُسلم بالتوصيف الدقيق للحديث الشريف الذي ينعت المنافق بالكاذب، إلا أنني أرى في الإنسان الكذاب شخصية مهزوزة لا يمكن الاعتماد عليها، بل ويمكن أن تجر المرء إلى المهالك.

أما الكذب بين الأزواج فهو الطامة الكبرى، كما تؤكد كافي، وإن وجد في أسرة فثق تماماً أن هناك أمراً غير أخلاقي يحدث في الخفاء، ولا فرق عندي إن كان هذا الشيء بسيطاً أو عظيماً، لأن المبدأ هنا هو الذي يحكم القاعدة، وبالمناسبة نحن نتحدث عن رفضنا لكذب بين طرفين يشكلان نواة أسرة في مجتمع، لكن هذا المجتمع يسامح ويغفر للزوج الكاذب أحياناً، ويقف بالمرصاد لكل ما يصدر عن المرأة، والعدل أن تكون المواقف واحدة كما أمرنا ديننا الإسلامي.

أما عن نفسي فأنا تربيت على قول الصدق مهما كانت الأفعال، وتعلمت أن المصارحة تقي الإنسان عواقب وخيمة كثيرة، وعرفت أن الكاذب في الأصل ما هو إلا شخص دأب على السلوكيات غير السوية، سلوكيات يحرمها الدين ويرفضها المجتمع، فلماذا يحمل الإنسان نفسه وزرين في وقت واحد؟، وزر الفعل ووزر الكذب، ثم كيف يرى الكاذب نفسه عندما يختلي بها ويفكر فيما يفعل ويقول؟، خصوصاً وأنه يجاهد طول الوقت على إخفاء سلوكه وكذبه، رغم الشكوك التي تراوده بين حين وآخر بأن أفعاله معروفة وكذبه مكشوف.

مآزق حرجة

وترى سمية محمود ؟ موظفة ؟ أن الكذب وسيلة يعتمدها ضعاف الشخصية كمخرج لهم من المآزق الحرجة، وتوضح ذلك بقولها: من يتمتع بشخصية قوية يعرف كيف يدافع عن سلوكياته سواء كانت إيجابية - من وجهة نظره، أو أنه يعلم تماماً أنها تنافي العادات والتقاليد والأخلاق، وإنسان من هذا النوع يستطيع أن يتحمل مسؤولياته تجاه نفسه، اختلفنا معه أو اتفقنا، والحق أن الشخصية القوية التي لا تكذب، يسهل علينا التعامل معها لأنها تقول ما بداخلها من دون مواربة.

أما أن يكذب أحد الزوجين فهذا مؤشر قوي على وجود خلل أقل ما يقال عنه أنه خلل أخلاقي، فلا يوجد مبرر واحد يبيح لأحد أن يكذب على شريك حياته، وإلا فلا جدوى من مساحة الثقة التي يمنحها الطرفان لبعضهما. وإذا وجد الكذب في بيت الزوجية، فأكاد أجزم أن الزوج هو الطرف الكاذب، لأن مجال الكذب مفتوح أكثر بالنسبة له بحكم خروجه وعمله واختلاطه بشريحة كبيرة من أفراد المجتمع، عكس المرأة التي تحصر علاقاتها الاجتماعية في دائرة صغيرة حتى وإن كانت تعمل، ومع ذلك فإن كذب الزوجة يعد أكثر خطورة من كذب الزوج.

أنواع الكذب

ويقسّم الدكتور أحمد فلاح أستاذ ورئيس قسم الاجتماع بجامعة الشارقة الكذب عند الرجل إلى ثلاثة أنواع، الأول كذب تبريري كونه يعمل ويتحمل المسؤولية، وهو في هذه الحالة يكذب ليرضي زوجته أو أولاده، وقد يخرج بكذبه على من حوله في العمل أو على أصدقائه، ومع التكرار يصبح الكذب أمرا عاديا لديه. أما النوع الثاني فهو كذب الخداع، وهذا النوع من الكذب تكمن فيه إشكالية كبيرة، وفي معظم الأحيان يكون وراءه سلوكيات الشخص أن يواجه بها غيره من الناس.

والنوع الثالث من كذب الرجل يتضمن حيلة دفاعية يستخدمها لصد أي هجوم متوقع عليه. أما المرأة فلديها نوعان من الكذب، الأول بدواعي الخوف من العقاب، سواء عقاب الزوج أو المجتمع، والثاني كذب للدفاع عن النفس. غير أن المرأة تخاف من عواقب الكذب، وتخشى أن تكون ضحيته بحكم أمومتها ومسؤوليتها تجاه أولادها، عكس الرجل الذي لا يخاف أن يصبح ضحية كذبه، وعموماً الرجل يكذب في الغالب إما لإثبات الذات أو دفاعا عن النفس.

الكذب يبدأ بأعذار واهية وينتهي بنتائج خطيرة

اختلفت الأسباب والدوافع التي تؤدي ببعض الأزواج إلى اختلاق الأكاذيب خلال تعاملاتهم اليومية مع الناس، واختلفت بشكل أكبر الأسباب التي دفعت بأزواج إلى الكذب على زوجاتهم.. وعلى الرغم من اختلاف الدوافع، تظهر الحقيقة ولو بعد حين ويترك الكذب شرخاً بحجم الكذبة، وندبة في العلاقة بين الطرفين.

راشد سعيد يرى أن الكذب في النهاية يظل كذباً بصرف النظر عن العلاقة بين الطرفين، ويظل مذموماً ولو أدى وقتياً لنتائج يرتاح لها الطرف المكذوب عليه، فالحقيقة سوف تظهر في يوم من الأيام حتى وإن مضى على الكذبة زمن طويل، وحينها ربما يؤدي ذلك إلى عواقب وخيمة، إذ إن الزوجة التي تعرضت للخداع سوف تفقد الثقة بزوجها بعد علاقة زوجية استمرت ربما لسنوات، وسواء طال أمد هذه العلاقة أم قصر فسوف يهدم ظهور الحقيقة أية أهداف إيجابية سابقة حصل عليها الزوج من كذبته، وستتضاعف المشكلة لتصبح أزمة ثقة.

ويضيف راشد: المشكلة الأكبر في موضوع تورط الزوج في الكذب هو أن الزوجة في كثير من الأحيان تعتبر زوجها هو مثلها الأعلى وعندما يصدر عنه أي فعل مخجل أو غير أخلاقي تصاب بصدمة لأنها توسمت فيه الارتقاء في السلوك وتجنب الوقوع في هذه الأخطاء المخجلة، وهنا تكون المشكلة أكبر لأنها تعيد تقييم علاقتها به وتشعر أن ثقتها كانت في غير محلها وقد تفقد ثقتها بنفسها بالتبعية، والأفضل المصارحة تجنباً للأزمات بينهما.

ومما يزيد الطين بلة لجوء بعض الأزواج للكذب بحجة إبعاد الزوجة عن الهموم والأزمات، وهذا خطأ كبير لأن الزوج في هذه الحالة ينفرد باتخاذ القرار ويغفل مشاركة الزوجة، وفي ذلك نوع من الأنانية، فالزوجة شريك أساسي في الحياة الزوجية ومن حقها مشاركة الزوج في علاج المشكلات والتفكير في إيجاد حلول للأزمات.

عدة أسباب

خميس المزروعي يؤكد أن الزوج يلجأ للكذب لعدة أسباب أهمها وجود أزمة مادية مثلاً أو مشكلة لا يريد لها تعكير صفو المنزل الهادي أو خبر سيء يضطر لإخفائه عن زوجته، وفي كل الأحوال لا يؤدي هذا الكذب إلا إلى مزيد من الكذب، ولا أعتقد أنه يمثل حلاً لأية مشكلة، إلا أن بعضاً من الكذب البريء قد يغني عن أزمة كبيرة، وبالتالي لا ضير في أن يلجأ إليها البعض طالما لن يترتب عليه أضرار على الزوجة، بحيث لا تتهمه إذا اكتشفت الحقيقة.

ويضيف المزروعي أن بعض الأزواج ربما يكذب على زوجته تجنباً للمساءلة حول واجب ما تقاعس عنه أو خطأ ما صدر منه، أو ربما بشأن خطر ما يتهدد وظيفته أو وضعه المالي أو الاجتماعي، وفي الحالة الأخيرة من المقبول اللجوء للكذب البسيط لحماية الحياة الأسرية، ومن المعروف أن المسؤولية الأكبر في البيت للرجل ومن المنطقي أن يجد الزوج مخارج للمشكلات التي قد تغيّر من مسار حياته الزوجية ومن المباح أن يلجأ للكذب كوسيلة لتمرير الوقائع التي من شأنها إثارة غضب الزوجة.

أخلاق

بيت الزوجية لا يحتمل الكذب ولا مكان للأسرار

يؤكد هاني حلمي «موظف» أن بيت الزوجية لا يحتمل بأي شكل من الأشكال أحاديث كذب من أي طرف، وإذا حدث ذلك فهذا يعني أن خللا ما يعشش بين جدران هذا البيت، وأنا أتساءل، ما هو الشيء الذي يجب أن يخفيه الزوج عن زوجته؟، اللهم إلا الأمور غير الأخلاقية، وفي المقابل تبقى الزوجة شريكة الزوج في كل همومه، سواء مشكلاته في العمل أو مشكلاته المجتمعية، ويجب أن تعرفها حتى تتفهم حالة زوجها النفسية، وأنا أقصد هنا القول إنه لا توجد أسرار بين الزوج وزوجته.

ومن ناحية أخرى فهو يرى أن الكذب يعكس ضعف الشخصية وعدم قدرتها على تحمل تبعات تصرفاتها وسلوكياتها، سواء كانت هذه السلوكيات إيجابية أو سلبية. ويضيف: بالنسبة لي فأنا لا أستطيع أن أرى نفسي في موضع الكاذب لسببين، الأول ديني وأخلاقي، فلا إيماني ولا أخلاقياتي يسمحان لي بالكذب، والثاني نفسي، بمعنى أنني سأشعر بالمهانة بيني وبين نفسي إذا كذبت، والأهم من ذلك كله، ما الذي يجعلني أكذب؟، فأنا تعودت أن أفعل كل شيء في النور، وليس لدى ما أخفيه عن أي شخص وخصوصا زوجتي، وإذا أردت فعل شيء أعرف أنه لن يروق للآخر، فسأفعله أيضاً في النور وعلى المعترض أن يقرر ما يشاء.

دبي ـ عز الدين الأسواني