لا أحد تخفى عليه صعوبة الأوضاع الاجتماعية والحياتية التي يعيشها ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمعنا، وذلك على الرغم من كافة المبادرات والمقترحات التي تسعى إلى دمجهم وتحسين أوضاعهم الحياتية، فما تحققه المبادرات والجهود الحكومية في دمج هذه الفئات لتحسين أوضاعها لم تصل حتى الآن إلى الدرجة المطلوبة.
أسباب ذلك كثيرة ومتشعبة، تبدأ من قناعة جهة العمل في التنازل عن بعض اشتراطاتها في المؤهلات التي يتمتع بها موظفوها، ولا تنتهي بالأسر التي لا تسعى إلى معالجة مشكلات أبنائها الاجتماعية، بل وتستسلم لإعاقاتهم عبر عزلهم عن المجتمع، فيما هم في حاجة ماسة إلى الشعور بالثقة والاعتماد على النفس والقدرة على التفاعل الاجتماعي.
واقع
المعاقون على مستوى العالم حُرموا من نعمة الحياة الطبيعية بسبب إصاباتهم، وتجرعوا ألوان الحرمان ومرارة العيش في عزلتهم التي يواجهونها بلا حول أو قوة، وتحملوا نظرة المجتمع إليهم ونعتهم بالنقص حتى ولو لم يكن شفاهة، كما أنهم تسامحوا مع نظرات العطف والشفقة من أفراد المجتمع الذين لم يقدموا لهم مساعدة فعلية، إلا أنهم ومن خلال تحديهم لهذه الأنواع من الإعاقات والتي تصل في اعتبار البعض إلى حد تعبير العجز، أثبتوا أنهم قادرون على مواجهة خضم الحياة ومعاركها الشرسة من أجل تحسين أوضاعهم، وأثبتوا كذلك مقدرتهم على تحمل صعوبات العمل ومجهوداته الجبارة ليقنعوا المجتمع في النهاية أنهم أعضاء فاعلون فيه، وأنهم أبناء صالحون للوطن، يحبون العمل من أجل رفعته كما يحبها الآخرون.
وخلافاً لتلك الصورة السوداوية، فإن في الأمر بصيص أمل، وذلك حينما نتلمس تجارب إيجابية تركت آثاراً ناجحة لأبعد الحدود.. بلدية الفجيرة نجحت حديثاً في دمج ثمانية أشخاص من ذوي الإعاقات الذهنية البسيطة في معترك العمل اليومي، وهو ما جاء على عكس كل التوقعات والمخاوف التي تواجه الجهات الأخرى في توظيف ذوي الاحتياجات الخاصة واستقطابهم للميدان وإشراكهم في العمل الوظيفي وتأهيلهم مهنياً وإشغال أوقات فراغهم ومنحهم الفرصة العملية، أما بلدية الفجيرة فقد أقدمت على فعل هذا الشيء إيماناً منها بأن المعاق شخص قادر على العطاء والعمل وأن الإعاقة لا تمنعه من مشاركة الآخرين، فالجميع يمكنه التكيف مع أي عمل أو مهمة وظيفية تسند إليه.
مبادرة
«البيان» اقتربت من المبادرة عن كثب، وكان لها الحوار التالي مع أصيلة المعلا مدير قسم الموارد البشرية ببلدية الفجيرة، لتتحدث عن تلك التجربة الفريدة التي بدأت ثمارها بالعطاء بعد مرور أكثر من عام على توظيف أربعة من ذوي الإعاقات، حيث أشارت المعلا إلى أن المبادرة بدأت بأمر من صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة، بتعيين عدد من ذوي الاحتياجات الخاصة في الدوائر المحلية للإمارة، في خطوة جريئة تأتي مراعاة لاحتياجاتهم المختلفة، وذلك وفقا للقرار الذي صدر مطلع العام الجاري، والذي يقضي بدمجهم ومساعدتهم على خوض تجارب العمل بعد تأهيلهم بالصورة المطلوبة.
نجاح
وتضيف أن نجاح هذه التجربة تبلور بعد تثبيت أربعة أشخاص في مختبر الأغذية التابع للبلدية وفي الأقسام الداخلية، فضلا عن استقبال أربعة آخرين لا يزالون تحت التدريب العملي في فروع الأرشفة والتصوير والمراسلات، وتم ذلك عبر اتفاقية مبرمة بين إدارة مركز الفجيرة لتأهيل المعاقين وبين بلدية الفجيرة، إذ تنص تلك الاتفاقية على تأهيل المعاقين ذهنياً بصورة مسبقة، عبر تزويدهم أولاً بمختلف المهارات الأساسية التي تساعدهم على أداء المهام الموكلة إليهم، وثانياً اجتيازهم لمرحلة التدريب الفعلي في الأقسام المعنية، على أن تصرف لهم مكافآت شهرية رمزية لا تتعارض مع راتبهم الجاري من وزارة الشؤون الاجتماعية من باب الدعم الذاتي لهم.
وتؤكد أنه وعلى الرغم من غالبية الظروف التي تحيط بذوي الإعاقات الذهنية، فقد أثبت البعض جدارته في تعلم مهارات المراسلة والأرشفة، وتقول إن المعاقين أنفسهم ظلوا في البداية يلجأون إلى الانطواء على أنفسهم وعدم الظهور أمام الآخرين، ووقتئذٍ كانت الفكرة جديدة نوعاً ما، وتحددت صعوبتها في أن نبرهن للعالم والمجتمع أن الشخص المعاق هو إنسان فاعل وقادر على العطاء إذا كلف بمسؤولية ما، وهو جدير بأن يتحملها ويؤديها على نحو ينافس به غيره، وهذه الأيام تغيرت نظرة المجتمع إلى الإعاقة كثيراً، وبدأت تتجه نحو الأفضل، مع التأكيد أن الأمر لا يخلو من وجود بعض السلبيات في التعامل مع هذه المسألة بالذات.
تسهيلات
وأوضحت مديرة قسم الموارد البشرية في بلدية الفجيرة، أن قرار توظيف ذوي الإعاقات الخاصة جاء وفق آلية مريحة متدرجة تسمح للمعاقين بتجاوز عقبات الاندماج، وفي الوقت نفسه تمنح جهة العمل الفرصة الكافية للتأقلم معهم والاعتماد عليهم عبر تبادل الثقة في نقل المراسلات وإنجاز المهام الموكلة إليهم، ولا بد للمتدرب من إثبات التزامه بالعمل خلال مدة تقع بين ستة شهور ولغاية السنة حتى يتسنى لهم الحصول على قرار التثبيت الفعلي.
كما أن البلدية لجأت إلى تقديم تسهيلات مختلفة في سبيل دمجهم اجتماعياً عبر توفير المواصلات اليومية، وتقديم سلسلة من الدورات التأهيلية التي تكسبهم مهارات التعامل مع الأرقام والقراءة البسيطة وكتابة بعض الكلمات. كما أن نجاح هذه التجربة المميزة أقنعت الجميع أن حصول المتدرب من المعاقين على الوظيفة بعد أن يجتاز الفترة المقررة لتدريبه ليس محاباة، ولكن كل الذين يجتازون هذه المرحلة يكونون على قدر من العزيمة والإصرار في سعيهم لتحقيق آمال انتظروا تحقيقها طوال سنوات طويلة.
سيارة وزواج
تطرقت المعلا إلى أن ناصر وصابر الشابين المعاقين الذين يعملان في مختبر الأغذية قد تجاوزا كافة صعوبات العمل من مختلف النواحي، واتجه طموح ناصر نحو التطلع إلى امتلاك سيارة خاصة بعد الحصول على رخصة قيادة، فضلاً عن طموحه في تطوير مهاراته الوظيفية وتكوين حياة أسرية مستقرة. كما أبدى المتدربان خالد وإبراهيم سعادتهما في خوض تجربة العمل، التي فتحت لهم آفاقاً واسعة في التعرف على المجتمع والاعتماد على النفس في أداء الكثير من الأمور، خصوصاً في مسألة تداول المواصلات الخارجية بصورة يومية من باب الالتزام بوقت الدوام.
خجل وخوف
تشير أصيلة المعلا إلى أن أصحاب الإعاقات الذهنية في المجتمع لا يزالون مهمشين إلى حد ما، بسبب قدراتهم العقلية المحدودة التي لا تسعفهم في إنجاز الأعمال اليومية، خصوصاً وإنهم يعانون من مشكلات واضحة، مثل الخجل الشديد والانطوائية، والخوف، وصعوبة الاندماج الاجتماعي، حيث يأتي ذلك نتيجة الظروف الأسرية والصحية التي فرضت عليهم مثل هذه السلوكيات، بالإضافة إلى الخوف والحرص الشديد الذي يبديه أولياء الأمور تجاههم، والذي يكبل إطار حريتهم إلى حد ما.
تجربة ونجاح
أشاد المهندس محمد سيف الأفخم مدير بلدية الفجيرة بمبادرة دمج المعاقين التي أطلقها صاحب السمو حاكم إمارة الفجيرة، وتبنتها المؤسسات المحلية ومنها البلدية، التي أثبتت نجاح التجربة، وجدارتها في منح المعاقين فرصهم الحقيقية في الحياة، مشيراً إلى أن تلك الخطوة أزالت الكثير من الغبن الذي كان موجوداً لدى شريحة المعاقين، وقد قدمت لهم العون النفسي الذي أثبتوا من خلاله فاعليتهم في المجتمع، وقدرتهم على القيام بالدور المنوط بهم على الوجه الذي يليق، ونحن نشيد بنجاح تجربة الدمج تلك، ونتمنى من الجهات الأخرى أن تخطو مثل هذه الخطوات النبيلة.
الفجيرة - ابتسام الشاعر

