انتهت قمة المناخ في كوبنهاغن إلى اتفاق يضم بعض الأطراف الرئيسية التي من شأنها زيادة انبعاثات الغازات المسببة للتغير المناخي وهي أميركا والهند والصين وجنوب افريقيا ودول أخرى، ونص الاتفاق على مبادئ جديدة تسهم في مساعدة الدول الفقيرة المتضررة من التغير المناخي بمبلغ 30 مليار دولار سنويا لمدة الثلاث سنوات القادمة ليصل المبلغ إلى 100 مليار سنويا بحلول العام 2020.

الملفت للنظر أن المؤتمر لم يكتف بهذا الاتفاق، بل اتفقت الدول الصناعية بالحفاظ على خفض درجة حرارة الأرض درجتين مئويتين فقط، وللخوض أكثر في تفاصيل هذا الاتفاق وتحليل النتائج المتوقعة منه التقت (البيان) الدكتور رياض الدباغ مستشار في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا والخبير البيئي الدكتور داوود كاظم الذي قال: اغضب الاتفاق الذي وصلت له الدول الصناعية الكبرى في قمة كوبنهاغن، باقي الدول خاصة النامية منها، والتي تعد الأكثر تضرراً نتيجة زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري، حيث كانت تأمل هذه الدول الفقيرة أن يكون خفض درجات الحرارة أعلى من المتفق عليه، وأن يكون مبلغ التعويض لها أكبر ابتداء من العام 2010، لذا قررت الأمم المتحدة تمديد فترة المؤتمر يومياً للتوصل إلى الاتفاقيات نهائية حيث انه لم يختتم المؤتمر أعماله في اليوم المقرر على الرغم من انتهاء جدوله وبدء مغادرة كبار ممثلي الدول لموقع المؤتمر.

وبين د. داوود أن مبررات الدول النامية تحظى بقبول واسع من أنصار البيئة، والسبب الرئيسي هو ان كل الدلائل العلمية والأبحاث والدراسات تشير إلى تسارع ارتفاع درجات الحرارة في الغلاف الجوي لم يسبق لها مثيل. حيث أوضحت تقرير هيئة الأرصاد الجوية البريطانية الذي نشرت في سبتمبر من العام الماضي أن درجة حرارة الغلاف الجوي سترتفع بمقدار أربع درجات بحدود 2060 عن المعدل الذي كانت عليه عند الثروة الصناعية، مما يعني تهديدا خطيرا وزيادة إمدادات المياه لنصف سكان الكرة الأرضية والقضاء على نحو نصف أنواع الحيوانات والنباتات على الأرض. وحذر العلماء من أن المناطق القطبية وجنوب وغرب القارة الافريقية قد تشهد ارتفاعا في درجات الحرارة بمعدل يصل إلى 10 درجات مئوية في عام 2060، كما نشر في سبتمبر الماضي من العام الحالي تقرير صادر عن مجموعة منظمات غير حكومية منها منظمة اقتصاد التأقلم مع الطبيعة أشارت فيها، أنه في حال في حال تقاعس دول العالم عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لمقامة التغير المناخي سيشهد العالم دماراً أكبر، وستعيش الكرة الأرضية نتائج الكوارث الطبيعية الناجمة عن التغير المناخي، بموجات من الجفاف والحرارة في غير أماكنها ومواسمها أو من خلال الفيضانات والسيول المدمرة.

وأشار د. داوود إلى أن الطموح في الوصول إلى نتائج ايجابية من قمة المناخ في مؤتمر كوبنهاغن أكبر من الواقع الذي خرج به المؤتمر، لكنه يظل حلما وأملا كما عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة عند إعلان النتيجة الخماسية للمؤتمر، والتي قررتها الدول الصناعية الكبرى.

خاصة في ظل إصرار الدول الغنية على مواصلة عجلة النمو الاقتصادي بنفس الوتيرة متحججين بمبرر اخر هو التعويض عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هزة الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم عام 2008، ولهذا فان إصرار الدول النامية وحماة البيئة على أن ترتقي الأفعال عن مستوى الكلمات التي ألقيت في القمة أو البيان الختامي هي الأمل، والمطلوب من الدول الغنية أن تفي بتعهداتها كي تستطيع الدول الفقيرة مواجهة التغير المناخي، وإلا نستطيع القول ان قمة المناخ في كوبنهاجن انتهت كمن رجع بخفي حنين.

وقال الدكتور رياض الدباغ إن مؤتمر كوبنهاجن واجه مشكلات كثيرة حيث هاجمت عدد من الدول النامية ومنظمات حماية البيئة الاتفاق الذي تم التوصل إليه ووصفته أنه عملية تسوية سياسية بين الدول الصناعية وإرضاءً لها، متجاهلة بذلك الكارثة البيئية العالمية المتوقع حدوثها، جراء زيادة ارتفاع درجة حرارة الأرض، كما حدد العلماء أسباب ارتفاع درجة حرارة الأرض منذ فترة طويلة واتفقوا على أن العالم مجتمعاً بحاجة ماسة لتخفيض الملوثات البيئية بجميع أشكالها.

وأشار الى أن التغيرات المناخية لا تزال تحدث في الأرض على مدار تاريخ البشرية، لكن مصطلح الاحتباس الحراري لم يستخدم إلا في الستينات من القرن الماضي.

ويشير هذا المصطلح إلى انتشار عدد من الغازات التي تعمل على زيادة درجة حرارة الأرض ومن هذه الغازات، ثاني أكسيد الكربون بكميات كبيرة في الغلاف الجوي، وأكسيد النتروز، ومركبات الكلور والفلور، كما اكتشف مؤخراً العالم النرويجي ويليام نوعاً جديداً من الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري وهو غاز ثلاثي فلور الميثال خامس فلوريد الكبريت.

وأوضح د. الدباغ أن زيادة نسبة غازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، ستؤدي إلى ارتفاع معدل درجات حرارة الأرض أربع درجات ونصف ذلك حسب ما ذكر العلماء، وسيكون هذا الارتفاع تدريجياً لغاية منتصف القرن الحالي، مما يؤدي إلى زيادة في تكرار حدوث الحالات المناخية المتطرفة مثل أيام شديدة الحر والجفاف، وأيام أخرى يكون فيها أمطار غزيرة ينتج عنها فيضانات .

وبالتالي غرق العديد من الجزر والمدن الساحلية، نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر من نصف متر إلى مترين وأكثر، وذلك بالإضافة إلى تدمير النظم البيئية والمناطق الطبيعية واختلال توزيع الثروات السمكية، وزيادة ظاهرة الهجرة العشوائية للسكان بحثاً عن مكان آمن وخال من الأمطار الحمضية وتتوفر فيه وتربة صالحة للزراعة.

وأكد الدباغ أن هذه المشكلات البيئية مجتمعة بحاجة إلى تضافر جهود الدول كافة من أجل التوصل إلى حلول حقيقية من شأنها تخفيض من حجم ظاهرة الاحتباس الحراري على سطح الكرة الأرضية وحماية كوكبنا، وهذا ما اتفق عليه العلماء البيئيون والخبراء قبل مؤتمر كوبنهاغن، لكن العقبة التي واجهتهم هي موقف السياسيين والدول الصناعية الكبرى، فأن هذه الدول تعالج المشكلة بمقترحات مجحفة بحق الدول النامية.

إضافة إلى عدم تقديم مساعدات تجعلها تتخلص جزئياً من الكارثة المحققة التي ستقع فيها الدول الفقيرة، ولذلك لم تتوصل الدول المشاركة في مؤتمر كوبنهاغن والذي وصل عددهم إلى 193 دولة إلى اتفاق ملزم ومقنع لكافة الأطراف، بل اتفقوا على تقديم مساعدات مالية بسيطة للدول النامية وبعض المساعدات الفنية التي من الممكن أن تخفض الانبعاثات الحرارية.

ظاهرة

التغييرات البيئية

كان للعلماء دور كبير في اكتشاف وبيان أسباب التغييرات المناخية كالتقلبات الشمسية أو الثورات البركانية، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير على مدى القرنين الماضيين أي مع بداية الثورة الصناعية في الغرب وخاصة في العشرين سنة الماضية التي لعب فيها النشاط الآدمي دوراً مهماً أدى إلى زيادة ملموسة في درجة حرارة سطح الكرة الأرضية والتي عرفت مؤخراً في ظاهرة الاحتباس الحراري.

وأول من اكتشف ظاهرة الاحتباس العالم الفيزيائي تنزل في 1863، وأعقبه العالم السويدي سفانت في 1896، من خلال نظريته التي ذكر فيها أن زيادة حرق الوقود الأحفوري الفحم، والغاز الطبيعي، والبترول سيزيد من كميات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وسيؤدي إلى زيادة درجة حرارة الأرض.