لطالما اقترن اسم الكربون بمختلف المعاني السلبية والمشاعر المتشائمة، نظراً لدوره في تدمير مناخنا وتلويث مدننا، لكن هذا العدو الأزلي يوشك أن يصبح أفضل صديق تكنولوجي للبشرية، وربما يتفوق حتى على السليكون.
وبينما يتقدم العلماء في تطوير أساليب صياغة الكربون على المستوى النانومتري .. على شكل أنابيب وصفائح وكرات وأشرطة دقيقة.. تفتح أمامنا تدريجياً آفاق جديدة كليا وغير متوقعة للاستفادة من الكربون.
فذرات الكربون التي تشكلت في أتون نجوم الكون يمكن حياكتها مع بعضها لتشكيل مواد قد تساعد في جني طاقتنا الشمسية، وأخرى تعد بتشغيل عالمنا الإلكتروني بكفاءة غير مسبوقة، وربما تنطوي حتى على مفتاح الاقتصاد في استهلاك مواردنا النفطية الثمينة.
ويكمن سر الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها الكربون في حقيقة أنه عنصر متعدد المواهب. فمجموعات ذرات الكربون يمكن ان تتخذ أشكالاً متعددة جداً، تتراوح من الماس إلى الغرافيت، لكن هذه الأشكال المألوفة ليست سوى البداية. فخلال العقود القليلة الماضية اكتشف العلماء الأِشكال الكروية ثم الأنابيب النانومترية، والآن انضم إليها الغرافين، وهو عبارة عن صفائح كربونية بسماكة ذرة واحدة.
الغرافين
ومن الواضح أن الغرافين بدأ يثير ضجة كبيرة في الأوساط العلمية أكثر من بقية الأشكال المكتشفة، نظراً لسماته الفريدة: فهو عبارة عن قرص مسطح من ذرات الكربون يمتلك قدرة مدهشة على إيصال الكهرباء وقوة تفوق بعشرات المرات قوة الفولاذ في مادة شفافة للضوء المرئي.
والاختراق الكبير الذي يتطلع إليه الجميع ينبع من إمكانيات الغرافين الاستثنائية التي تبشر بثورة في تكنولوجيا الأجهزة الإلكترونية الصغيرة، ذلك أن الإلكترونات تنتقل عبر الغرافين بكفاءة عالية جداً. وفي الموصلات وأشباه الموصلات التقليدية، مثل النحاس والسليكون، تتصادم الإلكترونات بالذرات متسببة في تبديد طاقتها على شكل حرارة .. حتى ان رقاقة السليكون النموذجية تهدر حوالي 70 إلى 80 بالمئة من طاقتها بهذه الطريقة.
وهذا يعني إمكانية ارتفاع حرارة تلك المواد الناقلة احياناً على نحو يدمر حتى مكونات دوائرها الكهربائية. لكن الغرافين مختلف تماما، حيث لا يحصل أي تبديد أو ضياع للطاقة مما يمنحه خاصيات مذهلة لصناعة الإلكترونيات.
في خدمة الالكترونيات
ومن هنا يعتبر استخدام الغرافين مفيداً بشكل خاص للدوائر الكهربائية عالية التردد التي تعتبر البوابة إلى مستقبل تكنولوجيا الإلكترونيات.
فالأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف المتحركة تتطلب ترددات أعلى جيلاً بعد جيل. وكلما زادت ترددات التشغيل، كلما ازداد تأثير السخونة.
وفي الوقت الحالي يرى الخبراء ان الغرافين يبدو أفضل طريقة واعدة لمستقبل مثل تلك الأجهزة، بحسب كويستا نوفيسيلوف في جامعة مانشستر الإنجليزية.
فهو يشير إلى أن الغرافين ربما يجد حتى سوقاً أكبر في مجال تصنيع حساسات الفوتونات الضوئية التي ترصد المعلومات المحمولة في كبلات الاتصالات المصنوعة من الألياف الضوئية، ليحل بذلك مكان السليكون المستخدم حالياً لهذا الغرض. في اكتوبر الماضي كشف أحد مراكز أبحاث شركة «آي بي إم» النقاب عن أول لاقط ضوئي من هذا النوع مصنوع من الغرافين.
وتجري الأبحاث ايضاً لاستخدام الغرافين في صنع ألواح الطاقة الشمسية وشاشات الكرستال السائل «إل سي دي». وبفضل شفافية هذه المادة، يمكن للأقطاب الكهربائية المصنوعة من الغرافين أن تصدر كميات من الضوء أكثر من اية مادة بديلة .
وهذا يعني كفاءة أفضل في توليد الكهرباء واستهلاكها أيضاً. وكان فريق من الباحثين من جامعة كاليفورنيا قد نجح في اثبات أن مادة الهيدرازين (مركب من الآزوت والهيدروجين) قادرة على أن تقوم بالدور الذي تقوم به الغرافين بشكل ممتاز حيث يمكن للباحثين الحصول على طبقات ذات درجة توصيل عالية وبسعر أرخص من الطريقة الأولى.
وأهم من ذلك كله أن الغرافين، بحسب العلماء، يمكن أن يتصرف كشبه ناقل، حيث يقوم بضبط تدفق المعلومات الإلكترونية عن طريق التحول بين حالة الناقل وحالة العازل، خاصة بعد اكتشاف أشرطة الغرافين الرفيعة المعروفة بالأشرطة النانومترية أخيراً، والتي يتوقع لها ان تتحدى السليكون في عقر داره وربما تمهد حتى لنشوء واد للكربون ينافس وادي السليكون في مختلف مجالاته.
وداعا للسليكون
السليكون الذي تبنى عليه المعالجات الإلكترونية في الكمبيوترات استنفد قدراته الفيزيائية خاصة وان الحاسبات القائمة على السليكون تقوم بعمليات عديدة في الثانية من دون أن ترتفع حرارتها ولكن لحد معين.
وتوصل الباحثون إلى مادة الغرافين التي تستخدم في تصنيع العديد من المواد مثل أقلام الرصاص. وهو يعتبر المادة المتبلرة الوحيدة ذات البعدين في الفراغ بمعنى أن ذرات الكربون فيها مرتبة على شكل مسدس الزوايا والأضلاع كخلية النحل تماماً.
هذا الأمر يجعله يكون جزيئاً مسطحاً وبسمك ذرة واحدة. ومنذ اكتشافه ظهرت خصائص الغرافين غير المسبوقة كمادة شفافة وموصلة ومثالية في مجال صناعة الألواح الشمسية أو البلورات السائلة. كما أن مقاومته الميكانيكية تبشر بأنه سيكون من المواد فائقة الصلابة.
إعداد ـ علي محمد
