يحتل التراث والماضي القديم على الدوام مكانا في عقول الشباب وخاصة من الطلبة الذي تداعب عقولهم العديد من الأفكار عند انطلاقهم في تنفيذ مشاريع تخرّجهم ونجد التراث حاضراً بوجهه الجميل المشرق بين تلك المشاريع، وفي هذه المرة نجد أن نكهات وروائح لذيذة وشهية.
جاءت من الماضي لتداعب فكر طالبات معهد التعليم والتدريب المهني بأبوظبي وتدفعهن لإنتاج مشروع تخرجهن حول أول كتاب طهي إماراتي، والذي اخترن أن تكون أكلاته إماراتية بحتة لتمييزها عن الأكل الخليجي بشكل عام، كما طرحنه في اللغة الانجليزية لتعريف الزوار والسياح على مميزات المطبخ الإماراتي، وتم تنفيذ المشروع بدعم من صندوق خليفة لتطوير المشاريع. الطالبة موزة المنصوري تخصص إدارة مشاريع أوضحت أن فكرة عمل كتاب للطهي جاءت في جلسة بينها وبين زميلات لها من منطلق حبها وشغفها بإعداد الأكلات بشكل عام وبالأكل الإماراتي بشكل خاص، فهي تهوى الطهي وتجيده وتحرص وزميلاتها على إحضار أكلات معهن في المناسبات المختلفة التي تقام في المعهد والتي كانت تحوز على إعجاب الجميع خاصة الأساتذة الأجانب.
مشيرة إلى أنها قررت وزميلاتها تصميم كتاب خاص بالأكلات الإماراتية لإبراز المطبخ الإماراتي وتميزه، خاصة أنه لا يتم التركيز على هذا المطبخ وخصوصيته ويكون الحديث غالبا عن المطبخ الخليجي. وأضافت أن المشروع عملت عليه مجموعة من طالبات إدارة المشاريع وتقنية المعلومات «الوسائط المتعددة)»، وبدأ بدراسة مسبقة لفكرة المشروع ومدى التقبل لها كما تم البحث عن الأكلات الإماراتية البحتة التي تعود بجذورها للأجداد والتعرف إلى مكوناتها والطرق الصحيحة لإعدادها، لأن بعض الأكلات القديمة لم تعد متداولة وبعضها أدخل عليه تغييرات تتناسب مع عصر السرعة وسهولة الانجاز رغم أن ذلك التعديل أثر على لذة النكهة والطعم القديم.
مشيرة إلى أن المشروع استغرق وقتا طويلا، وأنهن بحثن عن الأكلات بالعودة للجدات والأمهات، وحرصن على دقة المقادير وصحة طريقة العمل، وكانت موزة كما ذكرت تراجع المقادير بعد جمع الطالبات لها والتعديل عليها كونها الأكثر اهتماما بجانب الطهي في حياتها ولديها معرفة بمدى التوافق بين المقادير، وأكدت نورة أن المشروع لن يقف عند هذا الحد فهي تحلم بتطويره ليس فقط على مستوى إصدار كتاب أكثر توسعا بل أيضا أن تدخل الفكرة مجال التطبيق التلفزيوني وأن يكون هناك برنامج «للمطبخ الإماراتي» فهذا هام جدا.
أكلات أجدادنا
وذكرت موزة أنه من بين الأكلات الإماراتية المتميزة التي تضمنها الكتاب «العصيدة» و«الخنفروش» و«الهريس» و«التحته أو الفوقه »، موضحة أن هذه الأخيرة كان الأجداد في القدم يسمونها بأي من الأسماء وذلك طبقا لوضعية الخلطة التي تتضمنها، حيث يوضع الدجاج مع المكونات الأخرى والتوابل ويوضع فوقه الأرز إلى أن ينضج ويكون في هذه الحالة اسمه «التحت» أما في حال إعدادها بشكل عكسي ووضع المكونات فوق الأرز تسمى« الفوقه» وهذه من الأكلات التي لا يعرفها الكثير ولا يعرفون تسميتها.
أكلات البر ونكهات الجمر
وتحدثت موزة عن لذة الطعام القديم خاصة تلك الأكلات التي كانت تسمى «أكلات البر» والتي كان يعدها الأهالي في رحلاتهم في البر وتطهى على الجمر أو الحطب، لهذا حرصوا على تضمين الكتاب للمكبوس الإماراتي وبشكل خاص «مكبوس البر» الذي كان يطبخ على الجمر خلال الرحلات البرية وكان له طعم لذيذ لأنه يعتمد على وضع كافة المكونات معا مرة واحدة وانتظار نضجها، وليس كما تعد في المنزل بإضافة المكونات تدريجيا طبقا لدرجة النضج.
ومع مرور الوقت وجدن أن بعض الأكلات اختفت من السفرة الإماراتية وأخرى تغيرت مقاديرها والبهارات المستخدمة فيها وأصبح الجميع يميل لسرعة الإنجاز، مع أن أكثر ما كان يجعل لأكلات الأجداد لذة أن كل شيء يضيفونه للأكلة له فائدة ويضاف في الوقت المناسب فهناك تكنيك في العمل، على سبيل المثال إعداد «القرصه» كانت تعد بطريقة يمزج فيها الطحين مع التمر حتى يختلطا معا، ثم تدق في الهاون لفترة حتى تصبح ناعمة جدا وتشكل في شكل أقراص ثم تقلى في الزيت وتؤكل ويكون طعمها رائع، أما اليوم مع تغير الحياة فقد أصبحت «كعكة التمر» بديلة عنها حيث توضع المقادير من طحين وتمر وغيرها من المكونات وتخلط ثم توضع في الفرن لتنضج.
تجربة واختبار الأكلة
وقالت نورة التميمي تخصص إدارة المشاريع إن أغلب كتب الطهي في السوق باللغة العربية وفيها أكلات متنوعة ولكنهن أردن إنتاج أول كتاب طهي إماراتي واخترن طباعته باللغة الانجليزية لتعريف السياح الأجانب بهذا الجانب الخاص بالإمارات، فالسياح يأتون من خارج الدولة لا يعرفون كثيراً عن الأكلات الإماراتية التي تميز هذا البلد ويتعاملون مع الأكلات الخليجية، فكان لابد من مثل هذه الخطوة خاصة عندما نلمس الإقبال الكبير من قبل الأجانب على تذوق أكلاتنا واستمتاعهم بنكهاتها، كما هدفنا من إنتاج الكتاب إلى إبراز جانب من تراثنا الجميل وتوثيق أكلات الأجداد.
وكذلك إبراز تميز معهد التعليم والتدريب وإمكانات طالباته.
وأضافت أن الكتاب تضمن خمسة أقسام وهي المشروبات والمعجنات والحلويات والأطباق الرئيسية والأطباق الجانبية، وأن العمل على المشروع بدأ منذ العام الماضي.
حيث تطلب جهداً كبيراً وتعاوناً بين الطالبات، وبدأ المشروع بعمل ببحث ودراسة للفكرة، ثم تم تقسيم العمل والذي تضمن عدة مراحل وهي البدء بتحديد الأكلات التي سيتم الكتابة عنها وجمع المقادير من خلال سؤال الأمهات والجدات، ومن ثم مراجعة المقادير للتأكد من صحتها وطريقة إعدادها بالإضافة إلى الطلب من الأساتذة الأجانب تجربة الأكلات طبقا للمقادير الموضوعة وموافاتهم بالملاحظات حولها وعلى أساس ذلك تم التعديل النهائي، ثم دخلت مرحلة التنفيذ بعمل الأكلات وتصويرها، وإعداد التصميم الخارجي والداخلي للكتاب.
أهداف سياحية
وأشارت الطالبة أسماء سيف من إدارة المشاريع أن العمل كان ممتعاً لأن له عدة أهداف سواء على مستوى التراث أو السياحة أو التعريف بالمعاهد، وأن الجميع عمل بروح الفريق الواحد والكل استخدم مهاراته ومواهبه في هذا المشروع، حيث تم إعداد جدول عمل يتضمن تحديد الأكلة التي ستعد في كل يوم ليتم عملها من قبل إحدى الطالبات وإحضارها للمعهد واختيار مكان مناسب لتصويرها، وأكدت على التعاون الكبير من قبل إدارة المعهد لتسهيل تنفيذهم للمشروع.
وأضافت أنهن استفدن كثيرا خلال تنفيذ المشروع، فهناك أكلات لم يكونوا على دراية بمكوناتها بالإضافة إلى المعرفة التي تكونت لديهم حول طرق الطهي القديمة وكيفية تميز الأكل الإماراتي عن غيره، خاصة أن كثيراً من الطالبات لا يمتلكن قدرة كافية على الطهي، فالفتاة اليوم لم تعد معنية بشكل مباشر بإعداد الطعام بذاتها خاصة مع وجود الخادمات، كما دخلت إلى المائدة الإماراتية العديد من الأكلات والنكهات المستحدثة، لذا كان لابد من توثيق أكلاتنا.
مساعدة الأمهات
تحدثت الطالبات ميثاء محمد وهدى الحمادي وكلثوم علي من تقنية المعلومات حول مشاركتهن في المشروع، والأكلات التي قمن بإعدادها في المنزل وإحضارها للتصوير في المعهد ومنها البلاليط وخبر المحلى وغيرها، وأن أمهاتهن ساعدنهن في إعدادها.
وأشرن إلى أن عملية التصوير لم تكن سهلة لأنها تتطلب إعداد المكان والتقاط الصور المميزة لشكل الوجبة لأهمية ذلك في جذب عين القارئ والمطلع على الكتاب، واعتبرن أن أصعب مرحلة بالنسبة لهن هي البحث عن المقادير ، بالإضافة إلى أن عملية استطلاع رأي المدرسين الأجانب بعد تحديد المقادير ساعدت في وضع الأسماء المعروفة لديهم للبهارات المطلوبة بالإضافة إلى طرح بدائل في حال عدم توفر إحداها.
ألف نسخة
عبرت الطالبات جميعهن عن شكرهن لإدارة المعهد وعلى رأسها المدير التنفيذي نزار لقمان لتشجيعه لهن، وكذلك لصندوق خليفة لتطوير المشاريع للدعم المادي الكبير لهم.
وقد أنتجوا ألف نسخة للآن وستكون هناك آلية لتسويقها، وأكدت الطالبات طموحهن لتطوير فكرة المشروع مستقبلا.
برياني روبيان
وجدت الطالبات خلال بحثهن أن البرياني يعد أكلة هندية الأصل، لهذا لم يرغبن في إدراجها ضمن الكتاب ولكن خلال دراستهن للمشروع مع الأساتذة الأجانب وجدن أنها من الأكلات المحببة لهن، لهذا قمن بوضع «برياني الروبيان» باعتبار أن أهل الإمارات تميزوا بإعداد البرياني بالأكلات البحرية من اسماك وروبيان وبطريقتهم الخاصة في حين أن الهنود يعدون البرياني عادة بالدجاج أو اللحم.
تميز
تصميم الغلاف يعكس بلونه البني طبيعة الصحراء
تحدثت الطالبة شروق الجنيبي من تقنية المعلومات حول الجانب التقني في العمل رغم مشاركتها في العمل كفريق واحد سار معا في مختلف الخطوات، فذكرت شروق أن أكثر الصعوبات التي واجهتهن تتعلق بكتابة المقادير من ناحية التأكد من صحتها وترجمتها بالانجليزية لمفردات يفهمها الأجنبي بمعنى توضيح ما يرادف المكون في الأجنبية فالأمر يتطلب دقة.
خاصة أنها على سبيل المثال لا تمتلك مهارة كبيرة في إعداد الطعام، ورغم أنهن من طالبات تقنية المعلومات لكن الجميع حرص على المشاركة في مراحل المشروع المختلفة سواء في تحديد المقادير أو إعداد الطهي أو التصوير والتصميم، وأشارت إلى طبيعة تصميم الغلاف الخارجي لكتاب الطهي.
حيث تم وضع أكثر من تصميم، وتصف شروق الغلاف الخارجي الذي تم اختياره بأنهم حرصوا ألا يتضمن صورا لأكلات وطعام كما هو الوضع التقليدي لأي كتاب طهي، بل حرصن على أن يعبر عن الرؤية التراثية، فالغلاف الخارجي للكتاب أخذ اللون البني المعبر عن الصحراء بالإضافة لتصميم لفنجان قهوة وتمر والعلبة الخاصة التي تحفظ فيها الرسالة قديما، لأنهن أردن أن يحمل المشروع رسالة تعبر عن أهدافه ورؤيته، وهذا التصميم أجمعت عليه الطالبات من بين عدة تصاميم أخرى.
أبوظبي ـ لبنى أنور



