هي عائلة ضربت أروع الأمثال في التحدي والمثابرة وعدم اليأس ليس فقط لمن تتماثل ظروف حياتهم معها بل للعائلات الأخرى التي لا تواجهها أية مشاكل إعاقة سمعية أو بصرية أو ما شابه ذلك، إنها عائلة ندى محمد شهاب اللبنانية الجنسية وزوجها المصري محمد عبد الحميد احمد والمصابان بفقد السمع والنطق ولكنهما يعملان بكل جد ونشاط واستطاعا تكوين عائلة نموذجية مؤلفة من ثلاث بنات تعلمن في أفضل المدارس وتخرجن من أرقى الجامعات.

تم اللقاء مع هذه العائلة بحضور الابنة نسمة الطالبة في السنة الأخيرة في الجامعة الأميركية في الشارقة حيث تولت عملية الترجمة من لغة الإشارة والتي تتقنها في تعاملها مع والديها.

حيث تقول ندى إنها أصيبت بالحمى في سن الرابعة من عمرها فارتفعت درجة حرارتها لأكثر من 40 درجة مئوية وأدت تلك الحمى إلى فقدها السمع، ثم دخلت إحدى مدارس الصم والمكفوفين في بعبدا في لبنان لتعلم لغة الإشارة واكتساب بعض الخبرات العملية والحياتية.

بينما وقع الزوج محمد عن السرير في صغره أيضا فأصيب بفقدان السمع، لكنه لم يذهب إلى أي مدرسة للتعلم فيها واتجه إلى ميدان العمل حيث اشتغل في مصنع للأحذية ثم في محل نجارة، وفي عام 1971 توجه مع شقيقته إلى لبنان بهدف العمل فاشتغل في صناعة الحقائب.

ثم عرفه أصحابه من الصم على إحدى المؤسسات اللبنانية التي تهتم بأمور الصم فقاموا بتدريبه على أمور الصيانة واشتغل معهم بعد ذلك في هذه الحرفة، واستمر في العمل حتى عام 1979 حيث ذهب مع هذه المؤسسة إلى الأردن ثم إلى مصر، بينما توجهت ندى إلى سويسرا في رحلة سياحية، وبعد عودتهما إلى لبنان توطدت العلاقة بينهما وأحبا بعضهما بعضا وتزوجا عام 1980 ورزقا بعد عام بابنتهما البكر مايا.

نحو الإمارات

وعن كيفية وصولهما إلى الإمارات عام 1984 قالت نسمة إن عمتها كانت مقيمة في الإمارات وهي التي رتبت أمر قدومهم وعمل والديها في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية حيث تقوم والدتها بتدريس الرسم والأشغال اليدوية في المدينة فيما يعمل والدها في أعمال الصيانة من دهان وكهرباء وغير ذلك ويشعران بالارتياح في عملهما حيث قدمت لهما الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي المديرة العامة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية كل التسهيلات المطلوبة وأمنت لهم السكن داخل المدينة.

تربية الأولاد

وحول الصعوبات التي واجهتها ندى في تربية الأولاد قالت إنها كانت تضطر إلى وضع ابنتها بالقرب من رأسها لتشعر بحركتها لأنها لم تكن تسمعها عندما كانت تبكي وأدركت البنت عندما كبرت قليلا أن أمها لا تسمع لذلك كانت تحرك يدها لتشعرها برغبتها في أي شيء تريده، ولما كانت ابنتي في عمر السنتين سمعت صوت مهرجان قريب منها وحاولت إشعاري بذلك ولكن لم أفهم عليها في البداية ثم اكتشفت وجود الحفلة في الخارج وأدركت ما الذي أرادت التعبير عنه.

وتضيف ندى: كنت أستعين بوالدتي في البداية لمساعدتي في تربية ابنتي ثم أرسلتها إلى الحضانة لتتعلم الكلام من أقرانها، بعدها تعلمت لغة الإشارة منا والكلام من جدتها ومحيطها.

ولاشك أن على الوالدين عندما يكتشفان أن ابنهما يعاني من الصمم ألا يصرا على الحديث معه بلغتهما بل عليهما تعلم لغة الإشارة حتى يتمكنا من التعامل معه وإرساله إلى المؤسسات الخاصة بالصم حتى يتعامل مع أصحابه من الصم ويتآلف معهم لأنهم يشعرون بالراحة في تعاملهم مع بعضهم، ومن الضروري أن يتعامل الأهل بكل رفق ولين مع الأصم وعدم اللجوء إلى القوة والإجبار وأن لا يتركوه لمدة طويلة في البيت لوحده وعليهم تعليمه منذ الصغر على التفاعل مع الآخرين، وأن على من يتعامل مع الصم أن يعاملهم بطريقة مختلفة عن الآخرين بل بالطريقة نفسها الذي يتعامل بها مع الأسوياء مع منحهم الثقة والحرية في اكتشاف ما حولهم بأنفسهم وقد كانت والدتها تتركها على راحتها حيث تعلمت مهنة تصفيف الشعر وعملت كوافيرة وفي صنع الحلويات.

مشاكل التوظيف

وعن مشاكل التوظيف تقول ندى إن هناك بعض المؤسسات التي تقدم الدعم للصم ولكن هذه المساعدات بطيئة وبحاجة لوقت طويل حتى يتم تنفيذها كما أن مجال العمل صعب جدا ونطالب الشركات والمؤسسات الحكومية بأن تقوم بتوظيف نسبة معينة من الصم لديها خصوصا وأن العمل يشعرهم بأهميتهم وهم قادرون على العمل في مختلف المجالات.

من ناحية ثانية فإن نظرة المجتمع للصم لا تزال نظرة متخلفة ولا يقدرونهم حق قدرهم ولا يعطونهم ما يستحقونه ويعتقدون بأنهم غير قادرين على العمل فيما نجد هذه الفئة من المجتمع تحظى بالاحترام والتقدير في الدول الأجنبية وتفتح أمامها كل فرص العمل، بينما عندنا هناك من يعارض حتى قيادة الصم للسيارات ويعتقدون بأنهم قد يتسببون في ارتكاب الحوادث أثناء قيادة السيارات مع أن الواقع أثبت أن هذه الفئة هي الأقل في ارتكاب الحوادث كما أن الحوادث التي قد يقعون فيها هي حوادث بسيطة وغير خطيرة.

حياة طبيعية

ويقول محمد انه يعيش حياة طبيعية ويذهب إلى المقاهي في عجمان ودبي مع رفاقه من الصم والبكم للتسلية والترفيه عن النفس فيما تتطوع ندى بالمشاركة في الفعاليات والمهرجانات الخاصة بالصم والبكم في الشارقة ودبي وتقوم برحلات ينظمها نادي الصم في كل من دبي والشارقة، وأنه يتراسل مع أصحابه بالمسجات وعبر الانترنت حيث توجد مواقع ومنتديات خاصة بهم ويحاولون حل المشاكل التي قد يقع احد منهم فيها.

عائلة نموذجية

وعن رأيها في وضع والديها تقول نسمة إنها فخورة بوالديها وبعائلتها كثيرا، حيث يعيشون حياتهم بشكل طبيعي جدا وبصحة وسلامة ولا ديون عليهم ولا مشاكل لديهم وأنهم يذهبون إلى كل مكان يريدونه.

وتضيف: استطاع الوالدان تربيتنا على أحسن ما يكون وتعلمنا في أفضل المدارس والجامعات وهما قادران على مواجهة أي مشكلة وفهم كل ما يدور حولهما والرد على من قد يسيء لهما، وهناك من يحب لغة الصم ويتعاطف معهم وعندما تتعرف صديقاتي على والدتي فإنهن ينسجمن معها بسرعة ويحبونها ويشعرن بارتياح للتعامل معها، لكن أكثر ما يضايقني هو نظرة المجتمع السلبية أحيانا للصم.

فهناك استخفاف بقدراتهم وأتمنى الاهتمام بتعليم الصم وبالطرق الحديثة ففي المجتمعات الغربية مثلا يتم دمجهم في المدارس العادية حيث هناك قسم خاصة في كل مدرسة لهم وهذا يؤثر على نفسيتهم كثيرا ويسهل اندماجهم في المجتمع والتعامل معهم بكل إيجابية.

وقفات

ــ تروي ندى يوميات معاناتها في تربية أولادها فتقول إنها كانت تضطر إلى وضع ابنتها بالقرب من رأسها لتشعر بحركتها لأنها لم تكن تسمعها عندما كانت تبكي، وأدركت البنت عندما كبرت قليلاً أن أمها لا تسمع، لذلك كانت تحرك يدها لتشعرها برغبتها في أي شيء تريده.

ــ تؤكد ندى أن على من يتعامل مع الصم أن يعاملهم بطريقة مختلفة عن الآخرين بل بالطريقة نفسها الذي يتعامل بها مع الأسوياء مع منحهم الثقة والحرية في اكتشاف ما حولهم بأنفسهم.

ــ هناك للأسف من يعارض حتى قيادة الصم للسيارات، ويعتقدون بأنهم قد يتسببون في ارتكاب الحوادث أثناء قيادة السيارات، مع أن الواقع أثبت أن هذه الفئة هي الأقل في ارتكاب الحوادث، كما أن الحوادث التي قد يقعون فيها هي حوادث بسيطة وغير خطيرة.

ــ يعيش محمد مع أسرته حياة طبيعية ويذهب إلى المقاهي في عجمان ودبي مع رفاقه من الصم والبكم للتسلية والترفيه عن النفس ويتراسل مع أصحابه بالمسجات وعبر الانترنت حيث توجد مواقع ومنتديات خاصة بهم ويحاولون حل المشاكل التي قد يقع احد منهم فيها.

ــ تشعر نسمة بالفخر الكبير بوالديها وتشير إلى أن هناك من يحب لغة الصم ويتعاطف معهم، وتؤكد أن صديقاتها عندما يتعرفن على والدتها ينسجمن معها بسرعة ويحبونها ويشعرن بارتياح للتعامل معها، لكن أكثر ما يضايقها هو نظرة المجتمع السلبية أحيانا للصم، والاستخفاف بقدراتهم.

موسى أبو عيد