خرجت من وطنها في عمر مبكر، حينها لم تكن تتجاوز سن الثامنة عشرة، خرجت محملة بهموم كبيرة فأسرتها تعيش في فقر مدقع، حاولت جاهدة أن تبحث عن عمل يقيها وعائلتها شر الفقر ولكنها لم تجد بديلا للسفر إلى دول الخليج فهي منجم الذهب بالنسبة إليهم، ورغم عدم امتلاكها لأي شهادات حتى شهادة محو الأمية لا تمتلكها حاولت الاتصال بمكاتب العمالة التي توفر الخدم وأخيرا جاءها الفرج، فقد وافق احد المقيمين في الخليج على تشغيلها في بيته.
لم تكن بحاجة إلى إقناع ذويها بالأمر فقد باتت بالنسبة لهم المخلص من جحيم الفقر، وحاولت أن تخفف عن والدتها التي أثقلها المرض بأن الفرج قريب، لم يطل الأمد حتى أقلعت طائرتها نحو وجهتها، محملة بالآمال في إمكانية تغيير أوضاع أهلها إلى الأفضل، مضت الساعة الأولى والثانية حاولت خلالها أن تغفو قليلا كي تزيل بعض التعب عن عينيها، ولتهدئة قلبها الذي يخفق بسرعة، فهي المرة الأولى التي تستقل فيها السماء.
بعد سبع ساعات من الطيران أعلن قائد الطائرة عن بدء الهبوط، لتبدو بشائر الأمل على وجهها لتطل من شباك الطائرة على المدينة التي ستحقق لها أمالها، وستساعدها على نفض غبار الفقر عن جثة أسرتها، ضحكت بخفية وضحك قلبها، وما هي إلا دقائق حتى كانت خارج الطائرة تمشي بسرعة نحو شباك التأشيرات الموجود في المطار لتتسلم منه تأشيرتها الأصيلة، ومنه انتقلت إلى كاونتر الجوازات، وقفت بالطابور وهي خائفة وكلما اقتربت من الموظف زاد خوفها رغم أن أوراقها سليمة.
دقائق معدودة وأصبحت خارج مبنى المطار لتطل من ساحة القادمين على دنيا جديدة لم تألفها من قبل، هناك كان بانتظارها احد مندوبي المكتب المكلفين بتسليمها إلى كفيلها الذي كانت على موعد معه صباح اليوم التالي، خلال طريق العودة حاول صاحب المكتب أن يبين لها واجباتها نحو كفيلها، وأوضح لها أنها ستحصل على راتب ثابت شهريا قدره 850 درهما، وسيزداد كلما كانت مخلصة في عملها.
في اليوم التالي حملت مليكه حقيبتها لتضعها في سيارة كفيلها، بادرته بالتحية وهو أيضا، وطلب منها جواز سفرها للبدء بإجراءات الإقامة، وقد فعل ذلك، ولم تكد تمضي ثلاثة أشهر في بيت كفيلها حتى بدأت بالتعرف على بنات جنسيتها ممن يعملن في ذات المجال، وبدأت بالاتصال معهن بشكل دائم، وبقيت كذلك حتى بدأت إحداهن بإغرائها وتحريضها على الهروب من بيت كفيلها.
حيث سيمكنها ذلك من الحصول على عمل آخر براتب أفضل، وحتى تتمكن من ذلك بدأت مليكه بافتعال المشاكل مع زوجة كفيلها ومع أطفاله، وتتعمد ضربهم وتركهم دون رعاية، وبقيت كذلك حتى سنحت لها فرصة الهروب من البيت تاركة وراءها طفلة صغيرة لم تتجاوز في عمرها السنة.
وما أن تناهى الخبر إلى الكفيل حتى اتصل بالمكتب الذي فاجأه بأن فترة الكفالة لمدة ثلاثة أشهر فقط وقد انقضت، ولم يكن أمام الكفيل حلاً سوى الاتصال بالشرطة وتحرير بلاغ هروب بحق خادمته، حتى لا يتحمل في المستقبل مسؤولية قانونية، ولم يكد يمضي شهر على هروبها حتى تمكن أفراد الشرطة من القبض عليها.
وهي تمارس أعمالاً غير شرعية، لم تجد مبررات تقنع بها أفراد الشرطة وحتى نفسها، فقد غررت بها صديقتها وأجبرتها على هذا العمل، وقد قبلته لحاجتها إلى المال، لمداواة أمها وانتشال أسرتها من الفقر، ولكن حكم القانون كان واضحا السجن ثم التسفير، عادت مليكه إلى وطنها تجر أذيال الخيبة بعد أن فقدت كل شيء.
غسان خروب