أخذه العلم إلى أحضان المعرفة شاباً، فاحتضن وطنه بين دفات الكتب واسكنه قلبه وروحه.. في شخصيته يتلاقى هدوء البحر مع صلابة الجبال ولصعوبة الحياة وقسوة مراحل الطفولة نشأ على حب العلم وتحصيله، فإذا به اليوم أستاذ ودكتور في علم السياسة والاقتصاد، هذا الميدان الذي أدهشه في الصغر واخلص له في الكبر.. كاتب ومحلل ومحاضر وصاحب أفكار جريئة مؤمن بالاختصاص وببناء الإنسان الحر، يتطلع إلى البعيد حينما يكون الموضوع مصلحة وطنه. له مشاريع هامة في خدمة أدب الحضارة العربية واهتمام بالغ بالترجمة.. وشاعر قبل هذا..
مطلوب عنوان
يقول: باختصار شديد الاسم محمد بن أحمد بن خليفة السويدي من مواليد 1960 درست في الولايات المتحدة الأميركية، تخرجت العام 1983 ، تخصصي كان الاقتصاد والرياضيات، ومجال العمل الآن في الثقافة والفنون وكل شيء عدا الرياضيات والاقتصاد، فتحت عيني فقيل لي أنت في الدوحة وقطر كانت هي مهد صباي، نزحت إليها العائلة، لأن والدي درس هناك، وكنا في كل صيف نعود إلى الوطن.
والتي هي مدينة العين، شهدت هذه المدينة ملاعب الصبا والسنين الأولى من حياتي، المويجعي والقطارة والجيمي، هذه مثل الموسيقى اسمعها، وتثير في صور الزمان الأول، فكنا نقيم في قطر ووالدي كان يدرس في قطر، ذهب للدراسة في مصر، وكنا نتردد على أبوظبي إلى أن عاد الوالد في بداية حكم الشيخ زايد، رحمه الله، للطفولة ذكريات بعضها حميم وبعضها غير ذلك، حميم لأنها تعيدك إلى صميم البراءة ويذكر فيها الإنسان كم كان قنوعاً وحراً، ولكن هناك نقطة دائماً تلازمني.
وهي أننا كنا أبناء فترة هزيمة 1967، وأتذكر حينما درست في قطر، كانت الدراسة قاسية، اليوم الأول كان يوم بكاء بالنسبة لي، مثل البكاء الذي يصاحب المولود يوم ولادته، فقد تركت يومها في المدرسة وأنا أبكي، وضربت لأنني لم اصطحب معي دفاتر وأقلاماً، وعرف المدرس بعد هذا، إني التحقت بالمدرسة للتو.
ولم يعتذر، ومن الذكريات التي لا تفارقني، لأني كنت من المتفوقين، تحصلت على المرتبة الأولى في الصف الثاني، كان ذلك في العام 1967، فقدم لي مدير المدرسة قلم «باركر»، وكنا وقتها نرتعب إذا دعينا إلى غرفة المدير، أخذت القلم وعدت وأنا (جزلان) وفرح بهذه الهدية، فجاءني أستاذ فيما بعد في غرفة التدريس وأخذه مني، ثم شاهدت فيما بعد أن القلم مع ابنه وهو رفيقي في الصف.
ومنذ ذلك الحين صار قلم الباركر يسبب لي حساسية مفرطة. حتى حينما عدت إلى أبوظبي بعدما فتحت فيها المدارس، ظلت هذه القسوة تلازم المدرسين، أنا اليوم أفسرها تفسيراً واحداً فقط، أن الشعب الذي مني بهزيمة قاسية في سنة 1967 انعكس ذلك على أساتذته وتلامذته وطلابه، هناك رفاق ما زلت ارتبط معهم من سن مبكرة من حياتي، ربما أقدهم يعود إلى الثالث والرابع ابتدائي.
ولكن أهم الصداقات هي التي كان لها رابط فكري ، فأنت في قطار نلتقي بأناس ونفترق عنهم ويبقى الناس الذين تنسجم معك أرواحهم وكأنهم خلقوا من طينة واحدة، هؤلاء يبقون معك حتى لو لم تلقاهم، بشكل يومي أو سنوي، تحتفظ بهم في ذاكرتك، حتى ولو كان بينك وبينهم محيط، تشعر ان هؤلاء هم اهلك، هذه كيمياء في النفس البشرية غريبة جداً، نعم لي أصدقاء قريبون كقرب الأهل، احملهم في داخلي ويحملوني معهم أينما ذهبوا وأينما شطت بنا الطرق والمسافات.
الحنين للأمكنة الأولى
أجمل ما في الفترة الماضية التي عشناها ان العوائل كانت «ملمومة» في بيوت وغرف صغيرة، وكانت الغرفة التي نشأت فيها صغيرة في حجمها لكنها كبيرة في تفاصيلها وكنت أراها مركضا للخيل، واليوم حينما أعود إليها لا عجب كيف كنا نعيش في تلك الأمكنة الصغيرة، كنت أيضاً اعتقد ان العالم مربع يحده من الشمال غرفة جدي ومن الغرب ربما المجلس، ثم اتسعت الرؤية فيما بعد، فاكتشفت ان العالم كان بيتي الصغير، هذه الذكريات تلازمني وتعود لي، وكما قلت، انها تعيد تشكيلي كلما تذكرتها.
هناك شيء اسمه المعرفة وهو المطلق، مناهجنا التربوية والتعليمية لا تزال تعاني من نقص تهيئة الطالب لما ينبغي ان يدرس كذلك لم تكن هناك خطط توجه الطالب إلى ما يحتاجه سوق العمل، ان صح التعبير، فكنت أريد أن أكون في الهندسة، هندسة البرمجيات، ويومها لم يكن الكمبيوتر شائعاً، التجربة الأولى كانت مع أستاذ لم اتفق معه أو لم يتفق معي، ثم تحولت إلى الاقتصاد والرياضيات.
والرياضيات جزء من تكويني الأول، أنا كنت دائما اشعر ان الرياضيات هي مادتي التي أستريح فيها، والحياة التي أراها أرقاماً، شغفي بالرياضيات انها وجهتني في الحياة ، أرى من خلالها الأشياء في أماكنها بترتيب وبنسق ربما لا يتفق مع غيري من ذوي الميول أو الهوايات.
السفر مع الكتب
تجربة الكتاب تجربة تكاد تكون أشبه باليانصيب. المكتبة التي نشأت فيها كانت مكتبة الوالد، لم تكن تعنيني بقدر ما تعرفت فيها على الكتاب لأول مرة، لكن رحلة الكتب، والكتب التي تعيد تركيب الأشخاص هي محض مصادفة، أنت تتعرف لأشخاص يغيرونك وتتعرف على كتب تغيرك، ولولا هذه الكتب لما كنت أنا، بعض الكتب تلازمني في سريري، لأنك تقرأها مرة وثلاث وأربع مرات.
وهناك كتب مسافرة، كتاب يأتي من 2500 سنة ولا يزال الأكثر مبيعاً، من هذا المنطلق بدأت المس شيئاً يشبه العصب في الكتب اسمه عصب الخلود، كيف لكتاب يولد ليموت في يومه، وكتاب يسافر لقرون من الزمن ولا يزال يعيش، فبدأت التفت لهذه الكتب، تجذبني هذه الكتب كالمغناطيس، في مختلف المعارف، وبدأت احرص على قراءتها.
وإذا ازداد شغفي بها، نشرتها أو سعيت لترجمتها، ويحضرني على سبيل المثال ومن الكتب التي اعتز بها كتاب، تاريخ هيروتود، كتب في 350 قبل الميلاد، ومن الكتب الأكثر مبيعاً في العالم، والعالم العربي ترجم في القرن العشرين جزءاً بسيطاً من هذا الكتاب، نحن قدمنا الكتاب كاملاً، الآن تبقى مسألة من يقرأ.. وهذه قصة أخرى!
مطلوب عنوان
أدين للأستاذ صلاح تحديداً وللرفقة في تلك الفترة، مجموعة من الأسماء وكنا نتناقش فيما نقرأ واستطعنا في فترة وجيزة ان نلم بأهم الكتب العالمية التي نشرت في السبعينات، أنا الآن أعود إليها بلغتها الانجليزية واشعر ان علينا إعادة ترجمتها، لأنها لم تترجم بأمانة.
أنا اكتب بالمحكية وليست الشعبية، وهي لغة تخاطب المثقف اليومي، وكذلك اكتب باللغة العربية، مؤخراً لأنني شغلت بالمعلقات، ، اللغة العربية خطفتني، بعدما كانت تنفرني، وأعود للمدرسة لأقول إنني درست بطريقة منفرة، ولكن وجدت فيما بعد أننا لا نستطيع أن نكون أمة من دون لغة.
القصيدة التي لا تنتهي والشعر المطارد في المدى
بالنسبة للشعر، يبدأ بالهذيان حينما يهذي الإنسان، فتخرج له الشرارة الأولى، قد يطول هذا الأمر، وقد يقصر، ولكن كنت: وكما قيل في عمر أبي ربيعة، الشاعر العربي الكبير، قال عنه العباس: ما زال هذا الشاعر يهذي حتى قال الشعر..
لم اعرف، ولكن، انا نشرت خمسة دواوين وبصدد الديوان السادس، غير ترجمات دواويني، ربما كانت كلها، استعيدها اليوم وبعضها استعيده بخجل، كلها كانت في محاولة البحث عن القصيدة التي ستأتي، أي كنت وانا اقرض الشعر وألم بتجارب الأمم هنا وهناك، تتسع هذه المدارك لماهية الشعر، التي بالتأكيد لم تكن القصيدة الأولى ولا الديوان الأول، بل يصبح الديوان الأول والثاني وحتى الثالث، هو ضرب من الهذيان..
وبدأت فعلاً احدد ملامح هذا المخلوق الذي اسمه الشعر، احدد ملامحه ولكن بضبابية، الى ان التقينا وجهاً لوجه في قصيدة، شعرت بأنها هي ما كنت ابحث عنه، وما ان فرغت منها حتى وجدت بأن ما كنت ابحث عنه قد ذهب إلى مسافة ابعد.
وهكذا، انا اشبه ما يكون في رحلة مطاردة للإلمام والقبض على هذا الكائن الذي اسمه شعر، فالشعر بالنسبة لي هو ليس حالة ثابتة بل حالة متحولة، وكلما زادت مداركي كلما ازدادت معرفتي بالتجارب الشعرية هنا وهناك..كلما ذهبت بعيدا في الماضي للتعرف على ملاحم الشعوب، جلجامش، الشهنامة، المهابهارتا، الالياذة. كلما صار التحدي اكبر.
أحلام مشروع الموسوعة الشعرية
الموسوعة الشعرية كانت حلماً في ان يصبح للإنسان العربي، حتى في أنأى المناطق مكتبة، نحن نعلم ان شراء كتاب الأغاني مكلف، ولا يستطيع مواطن عربي اقتناءه، وإذا تحدثنا عن الكتب الكبرى، فأنت تحتاج إلى ملايين الدراهم، ولذلك فكرنا ان تكون هناك مكتبة تحتوي على هذه الكتب جميعاً، ودواوين تصبح في مقدور الإنسان العادي، وأسعارها ميسرة، فنحن وصلنا إلى سعر دولار للمكتبة هذه.
وقد انتشرت بشكل محدود عن طريق البيع، وبشكل لا محدود عن طريق النسخ، الذي يسمى غير شرعي، وانا اسميه شرعياً، وكنت سعيداً أن أجد أصداء في كثير من البلاد العربية، بل وحتى في اعرق الجامعات العالمية التي تدرس الأدب العربي، فكان حلماً تحقق ومازلت أعاهد نفسي وأعاهد العاملين معي في هذا المشروع وأعاهد المستفيدين من هذا المشروع انه سوف يستمر.
رأي
مشروعي يقوم على إعادة بث الحياة في اللغة بدءاً بالمعلقات وجغرافيتها وقائمة لا تنتهي من الأفكار استعبدتني المعرفة واستعبدني المجتمع فأصبحت كالصندوق المغلق.
طينة واحدة
هناك رفاق ما زلت ارتبط معهم من سن مبكرة من حياتي، ربما أقدهم يعود إلى الثالث والرابع ابتدائي، ولكن أهم الصداقات هي التي كان لها رابط فكري ، فأنت في قطار نلتقي بأناس ونفترق عنهم ويبقى الناس الذين تنسجم معك أرواحهم وكأنهم خلقوا من طينة واحدة.
مواقف
مناهج مقولبة ضمن اطر محدودة
هناك شيء اسمه المعرفة وهو المطلق، مناهجنا التربوية والتعليمية لا تزال تعاني من نقص تهيئة الطالب لما ينبغي ان يدرس كذلك لم تكن هناك خطط توجه الطالب إلى ما يحتاجه سوق العمل، ان صح التعبير، فكنت أريد ان أكون في الهندسة، هندسة البرمجيات.
ويومها لم يكن الكمبيوتر شائعاً، التجربة الأولى كانت مع أستاذ لم اتفق معه أو لم يتفق معي، ثم تحولت إلى الاقتصاد والرياضيات، والرياضيات جزء من تكويني الأول، أنا كنت دائماً اشعر ان الرياضيات هي مادتي التي أستريح فيها، والحياة التي أراها أرقاماً، شغفي بالرياضيات انها وجهتني في الحياة ، أرى من خلالها الأشياء في أماكنها بترتيب وبنسق ربما لا يتفق مع غيري من ذوي الميول أو الهوايات.
كرهت اللغة ولم استطع الابتعاد عنها
أنا اكتب بالمحكية وليست الشعبية، وهي لغة تخاطب المثقف اليومي، وكذلك اكتب باللغة العربية، مؤخراً لأنني شغلت بالمعلقات، اللغة العربية خطفتني، بعدما كانت تنفرني، وأعود للمدرسة لأقول إنني درست بطريقة منفرة، ولكن وجدت فيما بعد أننا لا نستطيع ان نكون أمة من دون لغة.
أعدها للنشر ـ مرعي الحليان
