لن تفكر كثيرا إذا أردت أن تعرف من هو الأمين العام للأمم المتحدة الذي سيظل في أعيننا نحن العرب الشخصية الأممية التي ناصرت الحق العربي واعتبره شرعيا طبقا للقوانين والمواثيق الدولية رغم أنف الولايات المتحدة وربيبتها المدللة إسرائيل.
انه النمساوي «الجنتلمان» كورت فالدهايم الذي تم اختياره في مثل هذا اليوم (22 ديسمبر) من عام 1971 أمينا للمنظمة الدولية خلفا للبورمي «يوثانت». مجلس الأمن الدولي أوصى بتعيينه ثم وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتزكية على هذا التعيين، وجدد له عام 1976 وبقي في منصبه حتى اليوم الأخير من ديسمبر 1981 .
تولى فالدهايم أمانة الأمم المتحدة في ظل ظروف عربية ودولية غيرت معالم الخريطة السياسية العالمية. ولم يتوان عن أداء مهامه رغم صعوبتها خلال سنوات السبعينات التي كان فيها على رأس المنظمة الدولية.
عاصر حروبا وأحداثا ساخنة ومثيرة، أولها الحرب الهندية الباكستانية عام 1971، ثم حرب أكتوبر المجيدة في أكتوبر 1973، والحرب بين الصين وفيتنام عام 1979 وحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران التي بدأت عام 1980 وأخيرا الغزو السوفييتي لأفغانستان في نهاية السبعينات.
ولإنصاف هذا الرجل، يجب أن نتذكر مواقفه الايجابية والشجاعة تجاه القضايا العربية، وهي مواقف دفع ثمنها، عندما أطلقت أبواق الدعاية الصهيونية ضده حملة شعواء وافتراءات، حيث اتهموه بأنه خدم في الجيش النازي خلال الحرب العالمية الثانية وأنه تورط في جرائم النازيين، وهو ما نفاه.
حيث أكد أنه كان مجرد مترجم في الجيش خلال الحرب ويقوم بأعمال مكتبية لا صلة لها بالقتال، وظل مصرا على رفض مناقشة ماضيه كضابط في الجيش النازي. (كانت لجنة مؤرخين دولية قد برأته عام 1988 من جرائم الحرب، وان كانت أشارت إلى قربه من الجرائم النازية وهذا أمر طبيعي باعتبار أنه خدم في الجيش النازي).
كانت إسرائيل تشتاط غضبا، لنزاهته في معالجة ملف الصراع في الشرق الأوسط. لا تنسى له إسرائيل أنه الأمين العام الذي كان له دوره في صدور أبرز قرار في تاريخ الأمم المتحدة وهو القرار رقم 3379 في 10 نوفمبر 1975 والذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العرقي. وللأسف الشديد ألغي هذا القرار بعد 16 عاما من صدوره.
ولا تنسى إسرائيل له أيضا أنه أدان بشدة عملية الكوماندوز الإسرائيلي عام 1976 لإنقاذ رهائنها الذين احتجزوا في طائرة خطفت في أوغندا وهي العملية التي عرفت باسم عملية عنتيبي.
تحمل الرجل الحملة الصهيونية التي شاركت فيها الولايات المتحدة بعد انتهاء فترة توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة لفترتين. ووقف شعبه إلى جانبه، فرغم ما فعلته إسرائيل والولايات المتحدة خلال حملة التشهير التي أسمتها فضيحة فالدهايم النازية، إلا أن النمساويين انتخبوه في صيف 1986 رئيساً للنمسا حتى عام 1992، وقاطعه الغرب الذي اعتاد الكيل بمكيالين.
وبلغ الأمر بواشنطن أن قررت عام 1987 بعد عام من انتخابه رئيسا بوضعه على قائمة الأشخاص غير المرغوب فيهم في الولايات المتحدة. وفي ظل افتراءات الغرب ومقاطعته له، توطدت علاقته بالعرب ويحسب لألمانيا في عهد مستشارها الرزين هيلموت كول أن امتنعت عن مقاطعته هو وبابا الفاتيكان آنذاك.
فالدهايم من مواليد 1918، تخرج من جامعة فيينا بحصوله على درجة الدكتوراه في فلسفة القانون عام 1944. في عام 1955 عين مراقبا دائما للنمسا لدى الأمم المتحدة ثم رئيسا للبعثة النمساوية عندما قبلت النمسا عضوا في المنظمة. بعدها صار سفيرا لبلاده في الأمم المتحدة في عام 1964 إلى عام 1968. وفي الفترة من يناير 1968 إلى إبريل 1970 شغل منصب وزير الخارجية للنمسا، ثم اختير بالإجماع رئيسا للجنة الضمانات التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي أكتوبر 1970 عاد ممثلا للنمسا لدى الأمم المتحدة، وظل في المنصب إلى أن انتخب أمينا عاما للمنظمة. وبعد مشواره كرئيس للنمسا ( 1986 ـ 1992 ) ظل 15 عاما بعيدا عن الأضواء حتى وافته المنية إثر أزمة قلبية في 14 يونيو 2007 عن عمر ناهز 88 عاما.
حسن صابر
