عشاق الموسيقى المسافرة عبر الأزمنة، ليسوا بحاجة لانتظار أغنيات فقاعية وألبومات ضاربة، بل يكتفون بالارتواء بين الفينة والأخرى بالحضور الطاغي لتوليفة موسيقية خارج الزمان والمكان، وكذلك ماجدة الرومي صاحبة طوق الياسمين الذي لا يذبل، لا يزال حضورها الفني يقطف زهر النجاح في مهرجانات تحتفي بغناء يطوف في ذاكرة الموسيقى نافضاً غبار نغمات خارج النوتة.

لا يعلو ضجيج الحياة اليومية على أمسيات كتلك الأخيرة التي أحيتها ماجدة الرومي، في حفل نظمته هيئة الثقافة والفنون بأبوظبي على مسرح قصر الإمارات، وشدت فيه الماجدة ببياض الياسمين قديمها العصري وجديدها الأصيل، فتلك بحسب الصحافة التي نقلت أصداء الحفل قفزات الفراشة التي أجادتها في حفل دام ساعتين ضم أغاني وطنية وعاطفية تنقلت خلالها على السلم الموسيقي بسلاسة ماهرة.شابة الأمس تُشبه امرأة اليوم بخطوطها العريضة، بل وتُضفي عليها نُضجاً موسيقياً، فبعد ظهورها الأول كموهبة فنية في برنامج الهواة الأشهر في لبنان «أستوديو الفن»، خطت ماجدة نحو إطلالتها الغنائية الأولى عام 1975 بأغنية «عم بحلمك يا حلم يا لبنان» التي كانت بوابةً نحو دُنيا الموسيقى والفن، وقدمت بعدها عملاً سينمائياً وحيداً مع المخرج الراحل يوسف شاهين بعنوان «عودة الابن الضال»، استمرت بعدها في المضي نحو النجاح بروائع حملت تواقيع كبار الشعراء والملحنين.

اليوم تقف ماجدة الرومي على أغنياتها القديمة بمزيد من البراعة، وتتكئ على تاريخها الفني بذكاء لتُقدم نقلات نوعية تخرج الموسيقى الحديثة من قفص الاتهام بالسطحية والإفلاس.

ففي القرن الواحد والعشرين لا يزال الجمهور يطرب لأغان طويلة، وذلك ما أثبتته ماجدة من خلال إطلالة انتظرها الجمهور طويلاً بدت للبعض مختلفة وغير مُنتظرة، وفي «اعتزلت الغرام» أمسكت ماجدة العصا من المنتصف، فهناك موسيقى موزعة بطريقة حديثة بلمسات طربية أصيلة تولى نسجها ملحم بركات، وأغان أخرى حملت الطابع ذاته وراوحت بين ألحان لأسماء مخضرمة وأخرى شابة مثل مروان خوري وجان ماري رياشي.

في إطلالتها امتداد لخطواتها الأولى، وفي كليب اعتزلت الغرام تبدو ماجدة الشابة مستعيدةً قدراتها التمثيلية، مستنهضةً أداءها التعبيري في لوحة طالها نقد الصحافة، باعتبارها لا تليق بإطلالة الماجدة الرصينة، حيث رقصت ومثلت وتمايلت مع الموسيقى، مسلّمة نفسها لنادين لبكي مخرجة العمل ذات الصورة السينمائية حيث الأداء التمثيلي لا يقل شأناً عن الغنائي.

من يحب ماجدة سيُتابعها دون التعرض لحياتها الخاصة أو مواقفها السياسية، أو ما يُطلق حول طلاقها من إشاعات، هي التي أجادت التعامل بذكاء مع الصحافة ووسائل الإعلام حول تفاصيل انفصالها عن زوجها، وخلافاً لكل الظروف العائلية الصعبة بدت ماجدة أكثر تألقاً ونضارة في حفل زفاف ابنتها الكبرى هلا، وتوحد إحساس الأم وحس المطربة في «نشيد الزفاف» الذي شدت به في الحفل. ستظل ماجدة موسيقى خارج النص تستند إلى تاريخ لا يزال حاضراً، وستظل أيضا طوق الياسمين الذي لا يذبل.

أمل الفلاسي