على أطراف دبي والشارقة، حيث الرمال الناعمة التي تتشكل من التلال والمرتفعات الصحراوية، بصور هي أقرب إلى اللوحات الفنية التشكيلية، في منظرها سحر وجمال كونته الطبيعة، وفي أعماقها سفر وترحال، لأفواج من السياح، يأتون إليها من مختلف دول العالم، سواح يفضلون الصحراء على البحر، والتزحلق على الرمال بدلاً من الثلج.
وبين هذه الأكوام والمرتفعات الرملية، شيدت في وسطها مخيمات كبيرة، أعادت التاريخ بكل ما يحمله من وهج التراث وعراقة الماضي، مخيمات سياحية تعكس حياة الآباء والأجداد قديما، عندما كانت الخيمة وبيت العريش هما السكن والمأوى، والجمل وسيلة السفر والتنقل. وفي مثل هذه الأيام تشهد هذه التلال الرملية والمخيمات السياحية الصحراوية، إقبالاً متزايداً من قبل السياح الأجانب أفراداً وأسراً، تزامنا مع بدء موسم السياحة الشتوية.حيث تحظى دبي خاصة باهتمام كبير، من قبل الوفود الزائرة، التي تعتبر الصحراء واحدة من أهم المزارات السياحية، التي تستقطب كل عام أعداداً متزايدة من السياح الأجانب، من مختلف الجنسيات وخاصة الجنسيات الأوروبية والروسية والأمريكية، والجميل أن أكثر من 70% من الزوار الأجانب، يفضلون زيارة الصحراء، والاستمتاع ببرامج السفاري التي تنظمها المخيمات السياحية.
أشكال ووجوه تختلف بملامحها ولون بشرتها، وأفراد وعائلات يتحدثون بلغات مختلفة، جميعهم يقصدون هذا المرتع الهادئ، الذي يجعل من الضيافة العربية البدوية، موضوعا لأرقى مستويات الضيافة، ليس ذلك فحسب، وإنما للتعرف على حياة المجتمع الإماراتي وطبيعته، في الماضي البعيد.كانت جولة تقاسمناها مع عدد من السياح، الذين عبروا لنا عن سعادتهم، وهم يجولون في أعماق الصحراء ووسط كثبان الرمال، يركبون الجمال، ويلبسون الغتر والعقل والكندورة، كما تلبس المرأة الشيلة والبرقع، وتتزين بنقوش الحنة، كل هذه الصور الجميلة والمعبرة، عن حب الأجانب لأشكال الحياة الخليجية، ننقلها بالكلمة والصورة، من خلال رحلة إلى أحد المخيمات، استغرقت أكثر من ثلاث ساعات.
ألف ليلة وليلة
بداية التقينا السائحين ماركوس من المانيا وكتارينا من بوليفيا وقالا عن رحلتهما: وصلنا دبي منذ يومين فقط، واليوم قدمنا إلى هذا المخيم، واستطعنا أن نحقق رغبتنا في ركوب الجمل، كان الأمر صعباً جداً علينا، فهذه المرة الأولى التي نخوض هذه التجربة، كما استمتعنا بفقرات وبرامج المخيم، الذي أعاد لنا صوراً من الماضي، ومن طقوس الحياة القديمة لأبناء الإمارات.
وقال إسحاق الصالح من السعودية: هذه أول زيارة لنا للإمارات، قررنا هذا العام أن نغير من وجهتنا، من دولة أوروبية إلى دولة عربية، واكتشفنا كم هي الإمارات جميلة، وخاصة في السياحة الصحراوية، التي تتميز بها عن غيرها من الدول، لقد عشنا وقتا جميلا، ووجدنا من الأخوة القائمين على المخيم كل رعاية واهتمام، وأظهروا لنا مدى طيبة بساطة الإنسان الإماراتي، ونتمنى أن تتكرر مثل هذه الجولات السياحية.
ويشاطره الرأي زملاؤه من السعودية يونس عبد المحسن ونوح الشرف حيث قالا: سوف نشجع زملاءنا وأصدقاءنا لزيارة الإمارات وخاصة إمارة دبي.
بهرو مرزان من ايران قالت لنا: بالرغم من عاداتنا المتشابهة في كثير من الطقوس، إلا أني وجدت في هذه الجولة، متعة لم أحس بها من قبل، إنها متعة الصحراء التي سلبت لبي بأشكالها المتعرجة وكثبانها الصفراء، إنها في نظري لوحة فنية جميلة، كما أضاف الترحيب الذي لاقيناه من قبل القائمين على المخيم، سرورا وفرحة في حياتنا.
ولمست ذلك في وجوه الأجانب، الذي في اعتقادي سعدوا جدا، من الصور التراثية التي تزين بها المخيم، وكأنها فعلا عودة إلى الماضي العريق، عندما كان أبناء الإمارات قديما، يعيشون على البساطة والتواضع، وفي مثل هذه الأماكن، عن نفسي أنا فعلا لبست البرقع والشيله، وتركت للمحنية أن ترسم ما تشاء من نقوش وأشكال في كف يدي، وفي معصمي، حقيقة عشنا أنا وزوجي وابنتي في هذه الرحلة الصحراوية، أجواء جميلة هي من ألف ليلة وليلة، وأتمنى أن تتاح لكثير من الناس مثل هذه الفرص الجميلة.
أماني وتحققت
وتقولا سوزان وفينا من ألمانيا: هذه ليست المرة الأولى التي نزور فيها الإمارات، هذه هي المرة الثالثة التي نأتي إلى هنا وخاصة إلى دبي، لنستمتع بمثل هذه الأجواء الجميلة، فالطقس في هذه الأشهر هو طقس جميل.
كما أننا نعيش في أجواء خليجية رائعة، فكل ما حولنا هو فعلا شيء يذهل، ومنذ لحظة استقبالنا في المطار، وحتى اللحظات الأخيرة لعودتنا إلى بلدنا، نجد كافة التسهيلات والرعاية الطيبة، أضف إلى ذلك أن الرحلة إلى الصحراء، هي أجمل ما نستمتع به.
حيث نشعر وكأننا عدنا سنين طويلة إلى الماضي، لنشاهد كيف كان ابن الإمارات يعيش في مثل هذه الأجواء، وعندما نرى الواقع اليوم، ونقارنه بالماضي، نكتشف كيف استطاع هذا المجتمع، أن ينتقل إلى العصر الحديث بأسرع ما يمكن، ولذلك في كل زيارة جديدة لنا، نكتشف مدى التطور والتقدم الذي تشهده الإمارات وخاصة دبي.
وتضيفا: في المخيم نعيش لحظات من الفرح، حيث نركب الجمل، ونلبس اللبس العربي الخليجي، وننقش أيدينا بنقوش الحنة، كما أننا نستمتع بالأكلات العربية، وخاصة ما يسمونه هنا خبز التنور، وكل هذا يدور تحت أنغام الموسيقى الشرقية التي يعزفها احد عازفي آلة العود.
من ايطاليا قال لنا زامبروتا: جئت ومعي زوجتي إلى دبي، لنتعرف على أسلوب وحياة الخليجيين من قرب، وفعلا اكتشفنا أشياء كثيرة في هذا البلد، منها الحياة التي يعيشونها والعادات والتقاليد، وهي فعلاً أصيلة ولها جذور قديمة، وكذلك تعرفنا على كثير من التراث الخليجي، وأكثر ما لفت نظرنا الصحراء، التي أصبحت ذات جدوى سياحي، فهي لكثير من السياح الأجانب سياحة.
ولكن هنا تحولت إلى معاني كبيرة، حيث نجد في داخل المخيم كل أشكال التراث الإماراتي، وزيارتنا للمخيم لا تستغرق سوى ساعات قليلة، إلا أنها كافية لنا للتعرف على تراث وحضارة أبناء الخليج، وأقولك لك إن زيارة الصحراء في مثل هذه الأيام، والاستمتاع بأجواء المخيم، هما أجمل الأشياء، وسوف نظل نتذكر هذه الأجواء، كما لفت نظرنا التطور الذي تعيشه الإمارات ودبي بشكل خاص.
الصحراء والتراث القديم
يقول عبد الحكيم محمد السعدي مدير مخيم بوابة الصحراء: حركة السياحة الصحراوية في الإمارات، تتزايد عاماً بعد عام، خاصة مع انتعاش الطقس وتلطف الأجواء، وتعتبر هذه السياحة، لدى المقيمين الأجانب وخاصة الغربيين والسائحين القادمين من الخارج، هي سياحة الطبيعة والأجواء المفتوحة، وسياحة الاسترخاء حيث يوجد الهدوء والسكينة، والاستمتاع بأجواء البر، خاصة وان المخيمات تضفي أبعادا جمالية.
وهي مزودة بالتجهيزات الراقية ببساطتها، والمتنوعة باستخداماتها، مثل عروض الصناعات اليدوية والأدوات التقليدية، وكما قلت إن أعداد السياح في تزايد كبير، فهذه المنطقة التي تتميز بأجواء خاصة في أشكال كثبانها ورمالها، تحظى بأكثر من 30 مخيماً، يستقبل مخيمنا أسبوعيا ما بين 2000 إلى 2500 سائح 95% هم من الأجانب، معظمهم من ألمانيا وروسيا واليابان.
وهؤلاء نوفر لهم كافة الخدمات في المخيم وخارجه، ومنهم من يريد أن يستمتع بزيارة المواقع الأثرية، والرحلات البحرية، والصيد وركوب الطائرات المروحية، ولكن السياحة الصحراوية، هي الأكثر اهتماما لدى الأجانب، ولديهم اهتمامات كبيرة في ركوب سيارات (الفورويل) والسير بها على الكثبان المرتفعة، كذلك التزحلق على الرمال.
وركوب الجمل، ثم بعد ذلك نوفر لهم الراحة والأجواء التراثية والثقافية والفنية، من خلال برامج معدة في المخيم والذي يرمز بديكوره التراثي القديم، فالمخيم هو عبارة عن بيت من العريش تم تقسيمه إلى أقسام عديدة، منها قسم الملابس العربية، وقسم الحناء، والمطعم والمقهى، وهناك أكشاك لبيع المنتجات الشعبية والتصوير، وفي وسط المخيم تم نشر الطاولات المعدة بشكل مجالس عربية شعبية، ولم نغفل عرض (الصقر) الذي يعد من التراث الخليجي الأصيل.
وأهم من كل ذلك الضيافة العربية التي تتم من خلال تقديم القهوة، فالمخيم يجسد في الأخير تراث الدولة والمجتمع الإماراتي، وهو إشارة إلى ماضي هذا البلد، والصحراء بالنسبة لابن الإمارات، قلبه النابض، وله فيها ذكريات ورحلات كثيرة للقنص والصيد، ولا يزال حتى اليوم يحيي هذه الهواية من خلال رحلات البر، لذلك حرصنا أن يكون المخيم رمزا لهذه الأصالة ولتاريخ أبناء الإمارات.
تجربة ركوب الجمل تجذب السائحين
يقال إن علاقة الإنسان العربي بالإبل، علاقة قديمة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، ويطلق على الجمل «سفينة الصحراء» وهو وصف مثالي، ينطبق عليه تماماً نظراً لقدراته العجيبة على تحمل المشاق، وصبره على احتمال العطش، في هجير الصحراء وحرها اللافح وهو يقطع الفيافي والقفار رفيقا لصاحبه في الصحراء الموحشة في حله وترحاله، وقد احتل الجمل مكانة مرموقة عند الإنسان العربي.
وظل يتعامل معه حتى اليوم، وخاصة على مستوى الخليج والوطن العربي، واعتمدت القبائل العربية على الإبل اعتمادا كبيراً حيث باتت جزءا لا يتجزأ من حياتها اليومية، وكانت تحصل منها على اللحم واللبن والوبر، الذي يستخدم في صنع الملابس والخيام، وفوق ذلك كله فالإبل ظلت وسيلة العرب التي لا يستغنون عنها في أسفارهم وتنقلاتهم.
واليوم ومن خلال مجال السياحة، أصبح الجمل جزءاً من هذه السياحة، فهو عند الغرب رمز للإنسان العربي، وكلما أتوا الى دولة عربية لابد أن يركبوا الجمل، ليستمتعوا أولاً بركوبه وليدركوا ثانياً مدى الصعوبة التي كان يتحملها الإنسان العربي، أثناء سفره الأيام والليالي الطويلة، فالجمل كان وسيلة التنقل الوحيدة، قبل أن تعرف الشعوب الحضارية السيارات ووسائل النقل الأخرى.
جميل محسن


