أفاق على الحياة وسط كومة من الأبناء.. «بابا بابا نريد كذا وكذا»، ولم يكن في جيب «أمجد» ما يلبي رغبات الأبناء، ويؤمّن متطلبات البيت.. لم تمضِ أقل من 10 سنوات على زواجه الذي كان يأمل فيه خيراَ.. الزوجة تؤدي مهامها على النحو الذي يرضي ضميرها وتحاول جاهدة أخذ زوجها إلى آفاق أكثر تفاؤلاً وانسجاماً مع واقع الفقر المرير في حلقه.
فكر الأب كثيراً قبل أن يجد الحل.. وجاء قراره بالسفر إلى إحدى الدول الخليجية بحثاً عن سبل العيش الكريم، وبعد كثير من البحث والسؤال والتمحيص الذهني، وجد من يلبي رغبته في الحصول على تأشيرة السفر.. صديق قديم تجمعه وإياه أيام طفولة بائسة. رفع سماعة الهاتف وتحدث إليه في خجل وتردد، وبلا مقدمات طلب منه المساعدة في الحصول على تأشيرة.
أمجد لم يكمل تعليمه الجامعي، وقد وقف عند أعتاب الثانوية نظراً لضيق حال عائلته، لكنه يجيد العمل في مجالات متعددة، بحكم خبراته غير المستقرة على وظيفة في بلده.. وأخيراً جاءت تأشيرة السفر، وبدأ أمجد يقنع زوجته وأطفاله الأربعة الذين لم يتعدَ كبيرهم الثمانية أعوام.
وقف أمجد مثقلاً بالتردد، فالزوجة لم تعهد البقاء وحيدة، وكذلك الصغار لم يعتادوا هذا الواقع، ولكن الحال يفرض على الجميع قراراً بهذا الحجم.. اقترب موعد السفر وحزم أمجد أحلامه على أمل تحسين واقع أسرته، وسار إلى حيث يريد.
في الغربة واجه ساعات وأياماَ عصيبة، فهي المرة الأولى التي يترك فيها عائلته ويعيش في سكن يفيض بملامح العزوبية.. يوماً بعد يوم تزداد ملامح التشتت في ذهنه، وذلك على الرغم من حصوله على وظيفة ترضي فضوله.
استمر أمجد على تواصل مع أسرته، وفرص نجاحه في العمل تزداد أيضاً، وصيف كل عام كان يسافر إلى بلده ليستعيد أياماً جميلة وسط عائلته.
شيئاً فشيئاً أخذت سنوات العمل والغربة من حياة أمجد، لا سيما وأنه قرر السكن في «أستوديو» منفرداً وقد تعرف إلى بعض أصدقاء السوء.. أصبح يخرج كثيراً إلى الملاهي الليلية.. يشرب الكحول ويرافق فتيات الهوى، حتى بات أسير حالة إدمان لا تفارق ساعات ليله.
علاقة أمجد مع زوجته وأبنائه سارت إلى انحدار متواصل، وفجوة الثقة بدأت تتسع.. حتى المصروف الذي كان يرسله إلى عائلته أصبح يتضاءل كل شهر، وكأن الخراب واقف على الأبواب.. سنوات طويلة مرت على هذا النحو.. كَبُر الأبناء وتشتت اهتماماتهم بعيداً عن سلطة الأم، والأب لا يزال يصر على حالة عدم انتماء لعائلة أفقدها صوابها بفعل ابتعاده عن واجب سافر من أجل.
عما قريب عاد أمجد إلى بلده في إجازة، وجد كثيراً من الأمور تسير نحو الأسوأ، ولده الأكبر لم ينتظره في المطار، وابنته التي تدرس في الجامعة لم تعلم بعودة أبيها.
في اليوم التالي اجتمع الأبناء في البيت ووجدوا أباهم «أهلاً بابا الحمد لله على السلامة».. وبدا الأب غريباً عن أبنائه بامتياز، أما الزوجة فلم يعد بمقدورها أن تطوق على أعباء الحياة وحيدة.
خلال الأيام الأولى من الإجازة، تزايدت حدة الخلافات العائلية.. الأب مع الأم، والأم مع الأولاد، والأب مع الأولاد.. وضع لا يحمد من فيه.. خرج الأب عن طوره، وألقى بجملة الطلاق ثلاثاً على زوجته، تسمَّر كل شيء في البيت وتلاشت ملامح العائلة.. أخيراً لم يبقَ في يدي أمجد سوى تذكرة العودة وابنته الصغيرة التي لم تتجاوز خمسة أعوام.
أخذ ابنته الصغيرة، ووضعها عند أبيه المسن، وتفكيره في حالة تناقض لم تدم طويلاً.. إما السفر أو البقاء مع طفلته، فاختار السفر.. حيث إن خسارته هذه المرة لن تكون بحجم ما حصل، هكذا فكر ثانية.
استفرغ بيته الزوجة والأبناء، وتالياً حتماً سيختفي بريق الأبوة من عيني طفلة حُرمت من كافة أسباب الحياة.
دبي ـ عنان كتانة