دائرة الموارد البشرية في حكومة الفجيرة أجرت مؤخراً دراسة تحليلية فكشفت عن الأسباب الحقيقة والفعلية لمشكلات التوطين في القطاع الخاص على مستوى الإمارة، وناقشت الأسباب والقضايا المؤثرة في عملية توطين وظائف القطاع الخاص، وكشفت أيضاً عن مدى ضعف المساهمة بصورة فعلية في حل قضية وطنية أخذت أبعادها تتسع يوما بعد يوم.

محمد خليفة الزيودي مدير دائرة الموارد البشرية في الفجيرة ورئيس اللجنة الفعلية القائمة بهذه الدراسة، أوضح أن الدائرة وفي ظل الظروف الحالية التي تحيط بعملية التوطين في الإمارة، بادرت إلى طرح هذه الدراسة بهدف الوقوف على أهم مسببات تأخر عملية توظيف لطالبي الوظائف في الفجيرة.

موضحاً أن أعداد المتقدمين بطلب وظيفة في الدائرة يصل إلى ثلاثة آلاف و269 مواطناً، إلا أن الرقم الفعلي والحقيقي للباحثين عن وظيفة ضمن الرقم السابق هو 618 مواطناً مقسمين على 113 ذكوراً و505 إناثاً، أما النسبة المتبقية فتكشف عن رغبة المتقدمين في تغيير وظائفهم بهدف الحصول على وظيفة أفضل أو ملائمة أكثر لمستواهم التعليمي والمهني.

البطالة

ولا يؤمن الزيودي بمصطلح «البطالة» الذي يطلق على فئة الباحثين عن عمل، بل يعتبرهم في مرحلة انتقالية فرضت عليهم الانتظار، بسبب بعض المعوقات القهرية التي تعطل إجراءات التوطين في الدولة، ويأتي ذلك في ظل استغلال بعض مؤسسات القطاع الخاص لسياسة الحرية والانفتاح التي تتعامل بها دولة الإمارات مع تلك القطاعات.

مشيراً إلى أن هذا الوضع فريد من نوعه وقد جعل من المواطنين والذين يعتبرون القلة في وطنهم يطالبون بحقهم في وظائف في الأساس متوفرة إلا أنها تذهب لآخرين صاروا يستحوذون عليها بطريقة أو بأخرى.

وخلصت الدراسة إلى وجود مجموعتين من المعوقات التي تعيق عملية التوطين في القطاع الخاص، تعلقت الأولى بأرباب العمل في القطاع الخاص، والثانية بطالب الوظيفة نفسه.

وبينت الدراسة البحثية نقاط رئيسية شكلت معطيات جديدة دخلت في دائرة اهتمام الموارد البشرية في الفجيرة ستسعى إلى إصلاحها خلال الفترة المقبلة على قدر الإمكان، يأتي من بينها وعلى رأسها عدم ثقة القطاع الخاص في الأداء الوظيفي للمواطن أو في كفاءته وضعف إنتاجيته بما يتناسب مع شروط الوظيفة في تلك القطاعات.

بالإضافة إلى ضعف اللغة الإنجليزية لدى المواطنين الخريجين، وقلة الخبرة العملية في المجالات التجارية والصناعية، إلى جانب عدم مقدرة القطاع الخاص على صرف رواتب مرتفعة للمواطن تتناسب مع مؤهلاتهم أو مستواهم المعيشي، في حين أن استقطاب عمالة رخيصة من الخارج أمر متاح.

مسببات

وأشارت الدراسة إلى تصريح بعض أصحاب العمل في القطاع الخاص عن أسباب رفض جديدة، قد لا يكون لها أساساً من الواقع تمثلت في سهولة تعيين وإنهاء خدمات الموظف الوافد مقارنة مع الموظف المواطن، بالإضافة إلى مبررات بعدم تجديد المواطن في أدائه الوظيفي وقلة ابتكاره.

فضلا عن إطلاق حجج بتسريب الموظف المواطن لأسرار العمل عبر نسخ أفكار المشاريع الناجحة وتأسيسها بصورة شخصية مستقبلاً، ليصبح مع الوقت شخصاً منافساً لهم في السوق، وغيرها الكثير من الأسباب التي دفعت بأصحاب العمل في القطاع الخاص إلى التخوف من عملية التوطين التي جاءت على مستوى الدولة بصورة غير قهرية.

وبحسب الدراسة فقد تمثلت الأسباب التي تعوق عملية التوطين في القطاع الخاص والمتعلقة بطالب الوظيفة، أنه وفي اعتقاد أغلب الباحثين عن عمل أن الوظيفة حق مكتسب من الدولة الأمر الذي يهون عليهم عملية البحث والمثابرة من أجل الحصول عليها، إلى جانب ترك نسبة كبيرة من الطلبة الإماراتيين -خصوصا الذكور منهم- الدراسة في سن مبكرة يصعب معها التعامل معهم وإيجاد وظائف مناسبة لهم.

وحاجة المواطن إلى التدريب العملي والنظري المكثف للالتحاق بوظائف القطاع الخاص بالإضافة إلى إتقان اللغة الإنجليزية هو الهاجس الرئيسي لهجرة المواطن للقطاع الخاص. أضف إلى ذلك طول ساعات العمل والحاجة إلى التطوير الوظيفي وإثبات الذات وغيرها من المعطيات التي لا يزال البعض يستصعبها.

قناعات

ويعلق محمد خليفة الزيودي مدير دائرة الموارد البشرية بالفجيرة بشأن أسباب رفض القطاع الخاص التعاون في عملية التوطين بالقول:«المبررات التي طرحتها الدراسة لأصحاب العمل تحمل شيئاً من الصحة، إلا أن ذلك لا يعني أن نعتبرها من المسلمات التي لا يمكن التغلب عليها»، فالقطاع الخاص في أي دولة يعد الرافد الأول للوظائف، وذلك على مستوى العالم ككل، ولا يمكننا الاستغناء أو التخلي عن دوره المؤثر في توظيف الخريجين وحتى ولو كان ذلك يتعارض مع مصالحهم المادية والربحية».

وأضاف أن مؤشرات التعليم الحالي بدأت تعكس نوعية جيدة من التخصصات والخريجين، وخاصة طلبة التقنيات العليا المؤهلين بصورة ميدانية لخوص قطاعات مختلفة مثل البنوك والسياحة والطيران المدني وغيرها الكثير، فالمبادرات الخجولة من تلك القطاعات في توظيف أصحاب الشهادات البسيطة في وظائف الاستقبال وخدمة العملاء لا ترضي الآمال الطموحة التي وضعتها حكومتنا في تلك القطاعات.

ونسبة ما تقدمه دولة الإمارات من تسهيلات لهذه القطاعات في ظل نشاطها المحلي، لا بد أن تنعكس في استيعابهم لأعداد ونسب أكبر، على أن يكونوا من أصحاب الشهادات سواء الجامعيين أو التقنيين وخريجي المعاهد.

قياس الأداء

ولا يطالب الزيودي القطاع الخاص بتكييف وتطويع ظروف العمل في بما يتلاءم مع ظروف المواطنين الراغبين في الانضمام إليه، بل يقترح تطبيق نظام «قياس الأداء الوظيفي» الذي يسمح بإعطاء المواطن الفرصة الحقيقية والمساوية للفرص التي تعطى لغيره، بشرط المحاسبة التي تضمن لكلا الطرفين النجاح والربح، وهو ضد أن تطوع وظائف القطاع الخاص لتتناسب مع مطالب المواطنين، بل يشجع التجارب الناجحة التي كشفت عن تميز فئات من المواطنين في هذه القطاعات.

والأجيال الجديد من الخريجين تكشف سواعد مبدعة تحتاج لمثل هذه الفرص، وقد ولى زمن المواطن الإماراتي غير المتناغم مع منطق ومتطلبات سوق العمل، إلا أن المشكلة في حجب تلك الفرص عنهم.

وخلصت الدراسة التي أنجزتها دائرة الموارد البشرية في حكومة الفجيرة مؤخراً، إلى طرح مجموعة من الحلول والمقترحات الفعلية التي يصب أغلبها في مدى الحاجة إلى وجود إستراتيجية موحدة على مستوى الدولة تنظم العلاقة بين مخرجات التعليم في الدولة وبين كافة القطاعات الحكومية والخاصة، بشرط أن تكون لها سلطة فعلية مستمدة من مجلس الوزراء تقضي بحق فرض ومتابعة تنفيذ سياسات التوطين.

وأشار الزيودي إلى أن القضاء على ظاهرة البطالة بين المواطنين يستلزم العمل الجاد على رفع نسبتهم في وظائف القطاع الخاص، الأمر الذي يتطلب تنسيقاً و تعاوناً أفضل مع القطاع الخاص، والأخذ بنظم وإجراءات وتشريعات تحقق زيادة نسبة المواطنين تدريجياً في هذا القطاع.

الفجيرة - ابتسام الشاعر