اختار الشاب الإماراتي جلال جمال بن ثنية طريقاً صعباً للوصول به إلى واحد من أكثر أحلامه إلحاحاً، لم يعتمد فيه على اسم والده الذي يشغل منصب نائب رئيس «دبي العالمية»، بل اتكأ على العزيمة والنوايا الطيبة والجهد الفردي، كي لا يصل وحده إلى النور في آخر الطريق، وإنما ليسلط هذا النور على أطفال يعيشون معظم الوقت في ظلام المجتمع.
تضحية بدأت قصتها قبل ثلاثة أعوام، ويواصلها في موعد جديد يوم 26 من الشهر الجاري، حيث سيقطع جلال الذي يبلغ من العمر 23 عاما، رحلة طويلة تمتد إلى عشرين يوماً عبر صحراء الربع الخالي، مشياً على الأقدام لمسافة تزيد على 535 كيلومترا وحده.. وكل ذلك فقط من أجل إطلاق صرخة مدوية يسمعها كل من لا ينصت إلى همسات المعاق.
ويقول جلال بن ثنية إن الناس عادة ما ينظرون إلى «عدم القدرة» بقدر أكبر مما ينظرون إلى «القدرة والإمكانية»، مشيراً إلى أن الأطفال المعاقين لديهم قدرات ومهارات تفوق في كثير من الأحيان من هم أكثر منهم صحة، وهم بحاجة لمن يدعمهم ويدعم أنشطتهم ويوليهم قدراً من الاهتمام باعتبارهم جزءاً من المجتمع لهم احتياجات وأيضا إمكانيات.
تبرعات
ويؤمن جلال بنبل المجتمع الإماراتي وحبه للخير، وأن حملته هذه ستلقى نصيباً كبيراً من الاهتمام والمشاركة من قبل أفراده ومؤسساته، كما حدث في حملاته السابقة، مشيرا إلى أن الهدف الرئيسي من هذه الرحلة جمع التبرعات لمركز «سينسز» المتخصص في تعليم المعاقين من مختلف الأعمار، والواقع في منطقة جميرا في دبي، إضافة إلى نشر الوعي لخدمة المعاقين في الدولة، والتضامن مع هذه الفئة، وتعزيز الهوية الإماراتية والتواصل بين الإمارات والعالم.
وقال بن ثنية: التبرعات ستذهب مباشرة إلى المركز، ولن استلم أيا منها، إذ تنحصر مهمتي في إطلاق الحملة ونشر التوعية حول المعاقين وما يخصهم، حيث يمكن للجميع زيارة الموقع الخاص بي www.binthaneya.com والتعرف أكثر على أنشطتي والمساهمة في هذه الحملة.
تحديات
وفي هذه الأثناء، لا يزال بن ثنية يبحث عن راعٍ يتكفل بإمداده بسيارة وسائق يرافقه في مسيره، بحيث يلتقي معه كل 40 كيلومتراً تقريباً، مما يساعده على توفير الغذاء والنوم في السيارة ليلاً أو وضع ملابسه ومعداته فيها عوضاً عن حملها طوال الوقت، مؤكدا في الوقت ذاته أن عدم توفر السيارة والسائق لن يعيقانه عن مهمته، إذ أنه سيضطر للمشي وحيداً.
وحمل متاعه والاستعانة بالأجهزة الحديثة للاستدلال على المواقع والاتجاهات، وسيتمكن من النوم في أي مسجد في طريقه، أو في خيمة صغيرة يحملها معه أيضاً. ويتعين على جلال أيضاً إنهاء مهمته خلال عشرين يوما فقط، هي مدة الإجازة التي من حقه، وهي الفترة ما بين الفصلين الدراسيين في جامعته، إذ أنه سيعود مباشرة بعد المهمة إلى الدراسة، مشيراً إلى أنه يأمل أن يقطع يومياً ما يقارب 70 كيلومتراً، بواقع 5 كيلومترات في الساعة.
أرقام قياسية
وكان جلال بن ثنية، جال في إمارات الدولة السبع مشياً على الأقدام في العام 2007 لنفس الهدف النبيل، وبجهد فردي متواضع، وبعيداً عن الإعلام، حيث استطاع أن يجمع مبلغ 80 ألف درهم لصالح هؤلاء الأطفال، وهو يأمل من رحلته عبر الربع الخالي في الوصول إلى رقم أكبر من هذا.
مؤكداً أن الأهم بالنسبة له هي التوعية بضرورة التعاون الدائم مع هذه الفئة، ليصبح وهو في العشرين من عمره أول شخص يقطع الإمارات مشياً على الأقدام منذ قيام الاتحاد. بعد ذلك بسنة واحدة فقط، أي مطلع العام الجاري، قرر جلال إعادة الحملة بشكل مختلف، فقام بصعود درج 100 برج على شارع الشيخ زايد ومنطقة المارينا في دبي، بدأها في أبراج الإمارات،.
وانتهى في مركز دبي التجاري خلال 12 يوما، وصعد خلالها 90 ألف درجة، لحوالي 2775 طابقاً، محققاً الرقم القياسي ليصبح أول شخص يصعد برجاً في زمن قياسي، وكان ريع تلك الحملة مقدماً لصالح مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة.
يختار الطريق الأصعب للفت أنظار العالم
أكد جلال بن ثنية أنه يختار دائماً الطريق الأصعب في حملاته، ولا يعتمد على طرق أسهل في الوصول، وذلك للفت أنظار العالم إلى المعاقين، لافتاً إلى أن هذه الفئة بالتحديد تتعب كثيراً للوصول إلى أبسط الأمور في الحياة.
وأضاف: كان لا بد من فعلٍ يشعرهم بمدى تقديري لهم ولمسيرة حياتهم الصعبة، فصعوبة قطع الربع الخالي مشياً على الأقدام تشبه إلى حد ما الصعوبات التي يواجهها المعاقون في حياتهم اليومية.
ويستعد جلال حالياً لرحلته من خلال التمرين في صالة الألعاب الرياضية لمدة ساعة ونصف يومياً، مشيرا إلى أن الرياضة كانت ولا تزال جزءاً لا يتجزأ من طبيعة حياته اليومية لذلك لا يتعين عليه تكثيف الرياضة قبل البدء بالرحلة، معرباً عن اعتقاده أن هذه الرحلة تحتاج لرياضة ذهنية وعزم وإصرار داخليين أكثر مجرد كونها مجهوداً جسدياً.
دبي - فادية هاني
