حينما يواجه المعلم سيلاً من النظرات السلبية التي لا علاقة له بها إلا فيما يخص الواقع المادي المفروض عليه، تكون بالتأكيد العواقب وخيمة أكثر على سير العملية التربوية برمتها، والتي يراد منها صلاح أجيال وتفوقها علمياً وعملياً.. تلك النظرة المجتمعية التي تنتقص من حق شرعي للمعلم، أردنا أن نتمحصها بعين المعلم نفسه، كيف يقيم نظرة المجتمع إلى مهنة التدريس، وكيف يراها هو، وفيما يلي آراء معلمين حول هذا الموضوع.
مراد حطاب، معلم فيزياء:
المعلم هو من يفرض نفسه على المجتمع ويسعى باجتهاد لأن تكون النظرة المقابلة إيجابية إلى حد ما، فالأصل أن تظل النظرة محفزة طالما هي من مجتمع عربي وإسلامي، وللأسف فإن الحاصل عكس هذا، فيما المعلم يستحق نظرة أفضل بكثير، وبالمناسبة فإن الواقع المادي هو صاحب السلطة في ذلك.
المعلم والقاضي يجب أن يمنحا ما يكفيهما في حياتهما دون أن يظهرا حاجة هنا أو هناك، وذلك نتيجة تلقائية لموقعهما الحساس، فالأول يفصل بين الناس بالحق، والآخر يقرر مستقبل أجيال بالحق أيضاً، ولا يجوز التقصير في حق أحدهما، إذ إن المعلم لا بد أن يظل قيادياً قادراً على المواصلة، وللأسف فإن القيمة الاجتماعية أصبحت مرتبطة بالواقع الاقتصادي.
محمود أبو زيد، معلم لغة عربية:
إلى حد ما أنا راضٍ عن النظرة المجتمعية للمدرس، خاصة لدى الأوساط التي تقدر العلم والتعليم، أما عامة الناس والطلاب للأسف فهم لا ينظرون إلى المعلم نظرة صحيحة، والسبب في تدني النظرة العامة للمعلم مرتبط بالظروف الاجتماعية وتغير العادات والتقاليد، حيث أن الابن أصبح لا يحترم أباه أو أمه.
المجتمع الخارجي وبصورة عامة لا يهتم بالعلم والمعلم، ومن الناحية الاقتصادية ونظراً لغلاء المعيشة فالمعلم لا يمكنه أخذ وضعه السليم على خارطة العيش الذي يليق به، ومن هنا كانت النظرة سلبية بعض الشيء تجاهه.
نصري راشد قاسم، معلم تربية إسلامية:
أنا غير راضٍ عن نظرة المجتمع للمعلم، لأنها أصبحت متدنية جداً وأحياناً يخجل الشخص أن يقول أنا معلم، والسبب أن المدرس أصبح مجرد موظف في نظرة المجتمع، كما أن مهنة المدرس أصبحت مهنة من لا مهنة له، وكثير من الخريجين تدفعهم الظروف للتدريس وليس لرغبة منهم، والأصل أن يظل التدريس مهنة الأنبياء والرسل والدعاة، ولكن الظروف الاجتماعية وعدم تقبل الناس للتعليم جعلها مهنة لا يقبل بها أحد.
وكما أرى فإن هذه النظرة ستزول يوماً إذا ما وجدت الحلول المناسبة، من تلك الحلول رفع مكانة المدرس معنوياً ومنحه الحق الاقتصادي والاجتماعي والنفسي.
محمد حطاب محمد، معلم جيولوجيا:
في الإطار العام أتقبل نظرة المجتمع للمعلم برضا نسبي، وذلك على الرغم من أن المعلم يستحق أكثر من ذلك، والحاصل أن المجتمع ينظر إلى المعلم على أنه صاحب سلطة وحزم، وتلك النظرة تتشكل منذ الصغر لدى الأطفال الذين يصبحون آباءً فيما بعد، والنظرة العامة للمعلم فيها نوع من الظلم.
المعلم يمثل السلطة الأبوية داخل الصف، في صورة التكليف بالواجبات والالتزام والأوامر، فالطفل يأخذ عنه فهماً خاطئاً أنه رمز للسلطة، والأب كذلك يتصور أن أبناءه موجدون في قبضة السلطة المدرسية، خلافاً على سبيل المثال من الطبي الذي يعالج المرضى، فهو شخص مقبول اجتماعياً، والواجب أن يظل المعلم أكثر أهمية من الطبيب ومن سواه.
محمد أمين، معلم لغة إنجليزية:
المجتمع ينظر إلى المعلم بنظرة مادية بحتة، ويقيمه وفق مبدأ «تأخذ كم تسوى كم»، فأنت ترى الجاهل الغني يكسب رضا الناس وحبهم، وفي الطرف الآخر تلمح الدكتور المتعلم يُهان من قبل شخص أي كان، لأنه ببساطة لا يملك الكثير من الأموال، وهذه هي النظرة التي يقيم بها أفراد المجتمع.
المعادلة الواضحة والبسيطة «من يملك المال يُحترم من لا يملك لا مكان له من الإعراب»، وهذه النظرة تؤدي إلى مزيد من انعدام القيم وضياع الحقوق والجهل والتخلف، حيث يبقى الأمر في النهاية سلسلة من الأطراف إذا فسد طرف تلف آخر وضاع الثالث.
عليوة محمد عليوة، معلم كيمياء:
النظرة العامة لمهنة التدريس ليست كما يجب أن تكون، وبكل بساطة يمكن لك أن تجدها في مؤشر وحيد وهو عزوف أبناء البلد المواطنين عن هذه المهنة، ربما في تدني الرواتب سبب لذلك، حيث تجد الكثيرين من المعلمين يحاولون تجنب العمل في مجال التدريس والبحث عن وظائف أخرى تكون مريحة من حيث الجهد العملي ومجدية في المقابل المادي.
النظرة المادية هي التي أخذت المجتمع بعيداً عن التعليم، وربما أن غلاء المعيشة أفقد المعلم كثيراً من ملامح القدرة والصمود في وجه التحديات فأمسى في وضع لا يحسد عليه.
