المدلس الأكبر في التاريخ. سدد للمستثمرين أموالاً لا وجود لها وسدد في الوقت ذاته ضربةً قاضيةً لأحلامهم. هو رجل أعمال ومستثمر ورئيس محفظة مادوف التي أنشئت العام 1960 ونجم شارع المال والأعمال «وول ستريت»، ورئيس مجلس إدارة بورصة «ناسداك» الخاصة بشركات تكنولوجيا المعلومات. برنارد مادوف، السبعيني، يقضي حالياً أحكاماً متعددة بالسجن في الولايات المتحدة تصل إلى 150 عاماً فقط.

والسبب: عملية الاحتيال الكبيرة التي قام بها على مدى عقود من الزمن والتي وصفت بأنها الأضخم في تاريخ البشرية على يد شخص واحد. رسم مادوف خطته الجهنمية للإيقاع بضحاياه بسلاسةٍ لا تخطر على بال جهابذة «هوليود» في سيناريو مثير يحكي قصة احتيالٍ مشوقة نفذها هذا الثري الذي عمل في بداية حياته سباحاً منقذاً فانتهى به الأمر غارقاً ومغرقاً في الديون.

ورغم أنه استهل مشواره المهني عصامياً بتأسيسه لشركةٍ استثمارية بمبلغٍ لا يزيد عن 5 آلاف دولار قبل نحو خمسة عقود، إلا أنه سبح في بحر الوهم وانجر إلى لذة الجاه.

وكما في كل قصة غريبة، هطلت ثروته، أو بالأحرى أموال المستثمرين، على المؤسسات الخيرية دعماً ومساهمةً وكان في ذلك فائدةً لقومه أبعدت كل الشبهات عنه ومصيبةً لأقوامٍ آخرين كانوا يعتمدون على تبرعاته.. أو شبه لهم. لم يعلم أحد عن مصدر أمواله وأملاكه شيئاً، بما في ذلك الحزب الديمقراطي متسيد السلطتين التشريعية والتنفيذية في بلاده، اللهم إلا امتلاكه لقصورٍ فارهة حول العالم ويختٍ عملاق يرسو في جزر الباهاما. ولأن «وول ستريت» لا تسأل رجالاتها «من أين لكم هذا؟».

اكتفى مادوف بتدوير أموال مستثمريه في حلقةٍ مفرغة مستغلاً المقولة المشهورة: «دعه يعمل.. دعه يمر». لكن نجليه لم يدعا ألاعيبه تمر مرور الكرام، فقاما في مثل هذه الأيام قبل عامٍ بإبلاغ السلطات الأميركية عن والدهما بعد أن أسر لهما بأنه ليس أكثر من كاذبٍ كبيرٍ ولصٍ حذق اتبع «خطة بونزي» المعروفة في عالم التزوير والاحتيال لينهش نحو 50 مليار دولار، ويقال 65 ملياراً، تاهت في غياهب الوعود المعسولة. افترس مادوف أفراداً وذهب بعيداً للانقضاض على المصارف الكبيرة.

ومنها «إتش إس بي سي» البريطاني و«باريبا» الفرنسي، التي زاد هذا النيويوركي من معاناتها في أوج الأزمة المالية العالمية. يقضي أيامه حالياً في سجن قرب ولاية كارولينا الشمالية مشاركاً زنزانته الصغيرة مع شابٍ متهم بالاتجار بالمخدرات، ويقف كل صباح في الطابور بانتظار الطعام دون خدم ولا حشم.. ويغسل أواني مطبخ السجن مثل غيره من زملائه الخارجين على القانون كجوناثان بولارد المتهم بالتجسس لحساب إسرائيل وجون هينكلي الذي حاول اغتيال الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان.

رؤوف بكر