بينما كان الأصدقاء يتدفقون إلى مواقع الشبكات الاجتماعية مثل «فيسبوك» و«ماي سبيس»، كان أليساندور أكويستي الأستاذ المساعد لتكنولوجيا المعلومات في جامعة كارنجي ميلون الأميركية منشغلاً بدراسة الجانب السلبي لكل هذا الإقبال المحموم على تبادل المعلومات الشخصية على الإنترنت دون أي قيد أو ضابط. ويقول أكويستي: «المعلومات الشخصية العادية المتناثرة هنا وهناك في الفضاء الحاسوبي ليست ذات أهمية كبيرة، لكن إذا جمعنا كل هذه الأجزاء الصغيرة من المعلومات، نحصل على معلومات حساسة».
واختبر اكويستي فكرته هذه في دراسة، نشرت أخيراً في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة، حيث أخذ اكويستي أجزاء عادية من المعلومات الشخصية التي يضعها الكثير من المستخدمين على الإنترنت، مثل تاريخ ومكان الميلاد، وجمعها مع معلومات أخرى مأخوذة من قاعدة بيانات رسمية عامة خاصة بإدارة الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة.
وبقليل من التحليلات الذكية، وجد أنه يستطيع بألف محاولة فقط ان يكشف رقم الضمان الاجتماعي السري لشخص ما لا على التعيين، في 5,8 بالمئة من الحالات. وهذا يعني أن بإمكان لصوص البيانات القيام بالشيء نفسه بسهولة، حيث يمكنهم أن يجربوا مراراً وتكراراً الدخول إلى الحساب المصرفي لشخص ما عن طريق الإنترنت إلى أن يعثروا على كلمة المرور السرية الصحيحة، ليختلسوا رصيد ذلك الشخص عن طريق القيام بعمليات تسوق إلكترونية باستخدام أرقام حساباته وبطاقاته المصرفية. والخطير في الأمر وجود برامج مؤتمتة جاهزة تجعل عملية تجريب آلاف كلمات المرور السرية أمراَ بغاية السهولة.
إنه فن التنقيب في مناجم البيانات، أو سحر استخلاص الأجزاء الهامة والحساسة من سحابة المعلومات المتنامية التي تحيط بنا جميعاً تقريباً في الفضاء الإلكتروني. ولحسن الحظ فإن ممارسي هذا الفن، هذه الأيام، ليسوا من المجرمين. فلقد أصبح فن تأويل خليط البيانات الشخصية المتناثرة على الإنترنت عملاً تجارياً مربحاً وقوة فاعلة في السياسة وأداة قوية في يد الحكومة، ربما دون علم من الناس العاديين. ويجمع الخبراء أن استهداف الناخبين المحتملين، على أساس البيانات المجموعة عنهم، لعب دوراً كبيراً جداً في انتخاب باراك أوباما، كما أدى التسويق الموجه بهذه الطريقة إلى نمو وازدهار عدد من الشركات الجديدة.
ومن المؤكد أن مثل هذه الأنشطة ستزداد مع اتساع رقعة سحب البيانات المحيطة بنا. ففي المستقبل القريب، سوف تقوم برامج التعرف على الوجوه بتفحص صور الأشخاص المنشورة على الإنترنت للتعرف على الأشخاص «مجهولي الهوية»، في حين ستقوم برمجيات أخرى بإجراء مسح شامل للرسائل الإلكترونية على الشبكات الحكومية بشكل سري، وربما تقوم الأجهزة الطبية المزروعة في جسمك بإرسال بياناتك الصحية مباشرة إلى طبيبك. مع وجود كل هذه المعلومات في محيطنا الافتراضي، يحذر أنصار حماية الخصوصية الفردية، من أنه لا بد أن يقع بعضها على الأقل في الأيدي الخاطئة.
ولقد استحوذت أنماط هجرة البيانات إلكترونياً على اهتمام خبراء التحليل التنبؤي المبكر، من أمثال روبرت غروسمان، الذي يشغل حالياً مدير المركز الوطني للتنقيب عن البيانات في الولايات المتحدة. ويقدم جروسمان الخدمات الاستشارية للشركات الراغبة في استخدام البيانات بهدف تحسين دقة استهداف زبائنها ولتعزيز هوامش ربحها. ويعمل جروسمان مع زملائه منذ سنوات على تطوير أساليب تحليل إحصائية تقوم بمعالجة مجموعات البيانات المعقدة لاستنباط الاتجاهات النمطية الظاهرة فيها.
ويمكن الحصول على التفاصيل ذات الصلة من سجلات الإحصاء ووكالات تقارير الديون وشركات التنقيب عن بيانات المستهلكين. وعندما يكون لديك مجموعة مفصلة من المعلومات عن مجموعة من الأشخاص، مثل آرائهم السياسية، نوع المساكن التي يعيشون فيها ونوع الأفلام السينمائية التي يفضلونها ؟ يمكنك أن تخرج منها بأنماط إحصائية واضحة.
قوة المحمول
تكتسب الهواتف المحمولة المتحركة أيضاً قوة معالجة متزايدة بشكل مثير، حيث كسر معالج هاتف سنابدراجون من شركة كوالكوم حاجز الغيغاهيرتز في وقت سابق هذه السنة.. وهي قوة تكفي لتسجيل ومشاهدة مقاطع الفيديو بجودة غير مسبوقة.
ويقول الخبراء انه في المستقبل غير البعيد ستقوم الهواتف المتحركة بتسجيل كل ما نرى وما نسمع من حولنا.
ومن الممكن جداً أن يتضمن ذلك تسجيلاً مرئياً لك وأنت تقوم بعمل خاص بك، التقطه لك شخص لا تعرفه دون أن تشعر.
ولكي نتخيل حجم المخاطر التي تتهدد خصوصيتنا، من هذا الباب، يكفي أن نلقي نظرة على مقاطع الفيديو المنشورة من مشاركين مجهولي الهوية على «يوتيوب».
إعداد ـ علي محمد
