إذا ذكرت غزو العراق، فلا بد أن تتذكر توني بلير. وإذا أردت أن تعرف من كان أكثر رؤساء وزراء بريطانيا تبعية لأميركا، فلن تجد سواه .. إلى درجة أن رسامي الكاريكاتير في بريطانيا صوروه في أشكال مشينة ومهينة بسبب ارتمائه في أحضان صديقه الحميم جورج دبليو بوش، ذلك الرئيس الأميركي الذي ما أن أيقن أن ساعة بلير قد أزفت للرحيل عن 10 داوننغ ستريت، حتى سارع بالضغط على المعنيين لتعيينه في منصب رئيس اللجنة الرباعية الدولية المعنية بسلام الشرق الأوسط مكافأة لولائه له.
ولو كان الأمر بيد أميركا لكانت اخترته أن يكون رئيساً للاتحاد الأوروبي لأنها لن تجد من سيحرص على ألا يسيء أحد في المنظومة الأوروبية إلى العم سام. كان بلير بالفعل مرشحاً لهذا المنصب الذي صار من نصيب البلجيكي هرمان رومبوي الذي فضل الأوروبيون أن يأتوا به لأنه مغمور دون أن يتحمسوا على الإطلاق لبلير «المرموق» الذي كان يمكن أن يخطف من قادة أوروبا الأضواء ان صار رئيس لأوروبا أو ربما خشية أن يجدوه بوقاً لأميركا وليس لسان حال لأوروبا. على أي الأحوال لم يكن الشعب البريطاني ؟ طبقاً لاستطلاعات الرأي - متحمساً لأن يرأس بلير الاتحاد الأوروبي. بلير.. بات الآن في الأضواء من جديد.. ليس لأنه رئيساً للجنة الرباعية الدولية التي لا حول لها ولا قوة .
ولكن لأنه قد يوضع في قفص الاتهام بشأن تورط بلاده المشين في الحرب على العراق. وسيمثل بعد أعياد الكريسماس أمام لجنة التحقيق البريطانية المختصة بذلك والتي يركز التحقيق فيها على كيفية اتخاذ بلير لقرار الحرب، وكيفية تنفيذ حكومته للقرار، وطريقة إدارته لمسار العمليات والوجود العسكري لنحو ست سنوات تلت الغزو.
كل المؤشرات تؤكد أنه كان شديد الحماس للحرب على العراق تحت أية ذريعة حتى وان كانت الذرائع لا مصداقية لها. وأبلغ بوش بأنه كان مستعداً للانضمام إليه قبل 11 شهراً من الحرب. بنفسه، اعترف بلير في حديث أخير لشبكة بي بي سي أن اجتياح العراق كان مبرراً حتى وان لم تكن هناك ذريعة لذلك ، ألا وهي ذريعة وجود أسلحة دمار شامل في العراق.
وكان قد أكد قبيل اندلاع الحرب، ان العراق يملك أسلحة دمار شامل يمكن نشرها خلال 45 دقيقة. وتبين بعد ذلك ان ما قاله غير صحيح على الإطلاق. أي تحول من شاهد زور لا يقر بالحقيقة، إلى شاهد إثبات يقر بها .
والأصح أن هذا الاعتراف هو سيد الأدلة على أنه ورط بلاده في حرب غير شرعية باعتراف راعي القانون البريطاني في ذلك الوقت المدعي العام السابق ووزير العدل السابق لورد غولدسميث الذي عارض الغزو قبل 8 أشهر من بدء الاجتياح لأنه يشكل خرقاً فادحاً للقانون الدولي على حد قوله. لكن بلير تمسك بالحرب ومنع غولدسميث من حضور جلسات الحكومة. بلير الذي اعتنق الكاثوليكية بعد أن ترك السلطة، مضى في قرار الحرب رغم أنف معارضيه.
ويبدو أنه كان يستشعر اتساع دائرة المعارضة حوله.. فسعى إلى تضييق الدائرة بإغراء السياسيين في الحكومة والبرلمان بالمال. ويقال انه كان يستقطع من ميزانية بلاده مئة ألف جنيه استرلينى لتوزيعها على عدد من الوزراء وأعضاء البرلمان حتى يؤيدوه في كل سياساته أو على الأقل حتى يغلقوا أفواههم ولا يعارضونه!
حسن صابر

