جمعتنا جلسة في حب البحر.. فالبحر هو كل حياته.. ارتبط به في الماضي ولم ينقطع عنه حتى الحاضر على مدى 75 سنة هي عمره الحالي.. فعلاقته بالبحر تصل إلى حد العشق، ورغم التغير الجذري الذي حدث في نمط حياة كل أبناء الإمارات بفعل التطور الهائل الذي حدث في المجتمع، إلا أنه لا يزال محافظا على طقوس الماضي بقيامه برحلات الغوص مرتين كل عام، واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف.

من جانب بهدف الاطمئنان على الهيرات وحيويتها بحكم مسؤوليته الحالية، ومن جانب آخر لممارسة الغوص.. حياته القديمة التي تحولت إلى هواية غرسها في نفوس أبنائه ويجاهد من أجل غرسها في نفوس شباب اليوم.. فرج بن بطي المحيربي، رئيس جمعية الإمارات للغوص، الذي جمعني به الحديث حول رحلته الأخيرة التي استغرقت 19 يوما، وتناول كل ملاحظاته بعفوية دون ترتيب أو تذويق، سواء ما أسعده منها أو ما أحزنه فيها.متى قمت بالرحلة ومن اصطحبت فيها؟قمنا بالرحلة، كعادتنا في كل عام، مع بداية فصل الشتاء في شهر اكتوبر الماضي، بسفينتي كيفان.

وكان عددنا 15 فردا، جميعهم باستثنائي من خارج جمعية الغوص، وكان بينهم ولدي مروان، الحريص على مصاحبتي في معظم الرحلات وأصبح عاشقا للغوص، وعلي بن خلف وخالد بن غريب الفلاسي وغيرهما من الشباب الجدد الذين قضوا معنا أسبوعا ثم عادوا لدبي. وإذا كان بعض الشباب لاموني لأنني لم أصحبهم معي، فأنا أوجه الدعوة لهم ولجميع الشباب وأقول لهم إننا كجمعية مستعدين لاصطحاب من 15 ؟ 20 شابا في كل رحلة بدء من رحلة الصيف المقبلة في شهر ابريل المقبل، للتعرف على ماضيهم وجذورهم، والمهم أن تكون لديهم رغبة صادقة والباقي علينا.ما هي الهيرات التي مررتم عليها في الرحلة، وكيف وجدتموها؟

مررنا على عشر هيرات، بالعروج، ميدان حامد، رقاع 4 وهي أربع هيرات «مغاصات»، ميدان أم الصلصل، بلمسان، فايز، وساعات، بطهوف، سفاف الوحشي، ورقة المناصير، وكنت ومروان في كل هير نغوص يوميا مستخدمين من سلندرين إلى أربع سلندرات حسب حالة الهيرات. والحقيقة أننا وجدنا بعض الهيرات في حالة جيدة وبعضها في حالة غير مرضية بسبب العواصف التي حلت على منطقة الخليج، بل ووجدنا بعضها قد دفنت ربما نتيجة لدوران العواصف والتيارات البحرية، وربما بتأثير الزلازل والهزات الأرضية التي وصل بعضها للمنطقة، وقد وصل عدد هذه الهيرات إلى ثمانية تقريبا، اختفى منها المحار تحت الرمال، ولو حدث ومر على هذه الهيرات هواء مرة أخرى وسقط فوقها أمطار سوف تحيى ويعود المحار للظهور والتكاثر.

هل ما حل بهذه الهيرات له تأثير على الأسماك فيها؟

للأسف الشديد هذا صحيح، فالهيرات هي الأماكن المفضلة والمثلى لسمك الشعري، والهيرات التي دفنت أختفى منها الشعري، وهي ملاحظة عامة على معظم الهيرات حتى أننا أصطدنا 4 سمكات شعري فقط طوال 19 يوما، والأرجح أنه هجر إلى مناطق أخرى فيها قاع وهيرات ربما تبعد من 30 ؟ 40 ميلا، وعودته لنفس الأماكن قائمة ولكن سوف يحتاج ذلك لسنوات طويلة. بينما الهامور لم يتأثر ومازال متوفرا لقدرته على الاختباء في الرمال بالقاع عند العواصف.

والمعروف أن موسم الأمطار في المنطقة يبدأ برا وبحرا في أكتوبر ويستمر حتى شهر مايو، وتساقطه بانتظام ينعش حالة البحر من أسماك الشعري والهامور والصافي ومرخ وذريع والرعي وغيرها، فمع المطر ينبت الرواض، وهي شجيرات تنمو في القاع يتغذى منها السمك ويعيش فيها المحار، وإذا انقطع المطر والماء العذب هلك البحر والبر.

هل ما زال اللؤلؤ الطبيعي تجارة رابحة وله عشاقه والراغبين فيه؟

اللؤلؤ الطبيعي أصبح عملة نادرة لأن قيمته كبيرة وثمنه غالياً جدا، وهو مطلوب وله ناسه وعشاقه، وربما قلتهم سبب قلة البحث عنه، ونحن في دولة الإمارات لدينا ثروة كبيرة اسمها اللؤلؤ بما لدينا من هيرات بأعداد كبيرة.

ويكفي أن أشير بأن جزيرة دلما وحدها يحيطها دائرة تضم أكثر من 300 هير، ولهذا فإن كل أهل الخليج من الإمارات والبحرين وقطر والكويت كانوا يأتون للغوص فيها، فمن أي مكان منها تأتيه الرياح يمكن الخطف، أي الإبحار بالسفن، والتوجه إلى الهيرات المقابلة للغوص وكانوا يطلقون عليها لقب «عاصمة الهيرات» و «أم اللولو». كما كانت في الماضي الملاز والمرجع للجميع لأخذ الزود من ماء عذب وطعام، وكان يأتيها تجار اللؤلؤ «الطواويش» من كل مكان في انتظار عودة السفن بالخير.

ولا يوجد مثيل لدلما في هذه الميزة، ولكن توجد لدينا مواقع أخرى كثيرة تحتوي على هيرات ولكنها بحاجة إلى أوقات خاصة للابحار إليها مثل جرنين، وزرقوه، أرزنه، داس، أم الحطب، حالة دلما، القفاي، مكاسب، نعيسه، حالة أم العنبر، غاغا، امبارز، بوطينه، فريجت، حالة دلما الجنوبية، صير بني ياس، الفطاير، ياس العالي، ياس السافلي، عيش، مهيم العود، مهيم الصغير، وغيرها، وإلى جانبها توجد جزر أخرى كثيرة لا توجد بها هيرات لكنها مأهولة بالسكان مثل جزر أبوظبي.

والحقيقة أن الحديث مع فرج بن بطي المحيربي عن البحر والماضي، ذلك التراث الغزير بالقصص والحكايات، يطول ولا يمكن أن تكون له نهاية. لكن لابد لنا أن نتوقف على الأقل الآن، داعين الله أن يمنحه الصحة والعافية وأن تكون لنا معه لقاءات وأحاديث أخرى كثيرة في القريب بإذن الله.

اكتشاف نوع نادر من المحار بالقرب من دلما

على مدى 75 عاما هي عمره الذي قضى معظمه في صيد اللؤلؤ من مختلف الهيرات في الدولة وفي الخليج العربي، لم يسبق أن شاهد فرج بن بطي المحيربي أنواعاً من المحار الفلس فيه بهذا الحجم الموجود في الصورة المرفقة، والفلس هي المساحة المخصصة للحم المحار والتي يولد بداخلها الؤلؤ، وحدودها كما تبدو في الصورة تقترب من الحافة الخارجية للمحارة، وبالتالي فإن كمية اللحم الموجود بداخلها كبيرة أيضا وخالية من الشوائب كما تظهر الصورة.

وأوضح رئيس جمعية الإمارات للغوص أن السبب في ذلك يعود إلى عدم تلوث المنطقة التي وجد فيها هذا المحار، والتي تبعد عن جزيرة دلما مسافة 20 ميلا بحريا على مغيب النعش نتيجة لأنها ظلت بكراً ولم يرتدها أحد منذ زمن كبير.

فقد أشار إلى أنه سبق أن غاصوا في هذه المنطقة أكثر من مرة قبل زمن بعيد، وعندما وجدوها خلت من المحار هجروها لمدة 20 سنة تقريبا، وفي رحلتهم الأخيرة رأوا الغوص فيها بهدف الاختبار وما إذا كان المحار قد عاد للتواجد فيها فكانت المفاجأة بوجود هذه النوعية النادرة من المحار النقي جدا.

من حباه الخالق باللؤلؤ والبترول والنخيل والهجن لن يواجه أزمة

أعرب فرج بن بطي المحيربي عن دهشته من الهجمة الشرسة التي تعرضت لها إمارة دبي أخيراً، وحاولوا من خلالها التشهير بها وتصويرها على أنها تعاني من أزمة مالية حادة، ودلل على ذلك برؤية خاصة اكتسبها من خبرة السنين التي عاشها وذاق فها طعم الماضي بكل صعابه ورغد الحاضر بكل مكتسباته، والخير الذي خص به الخالق دبي وكل إمارات الدولة فقال:

كيف نعاني من أزمة وقد حبانا الله بالخير في قاع البحر وبطن الأرض باللؤلؤ والبترول، وعلى سطح الأرض بما يقرب من 100 مليون نخلة، وما لا يقل عن 30 مليون جمل.

وأضاف: دولة الإمارات بهذا الخير الوفير والنهضة الشاملة التي تعيشها حاليا بفضل القيادة الحكيمة، تعتبر من أغنى دول العالم إن لم تكن أغناها، لقد تعلمنا منذ الصغر أن «المال يغدي والرجال تييبه»، وطالما يوجد بيع وشراء فلابد من المكسب والخسارة. نحمد الله على هذه النعم، وطالما بمقدورنا شرب كوب من لبن البعير وتناول التمر من النخيل سنظل في صحة وعافية ولن نواجه بإذن الله أي أزمات.

الإكثار من الدعاء

عرج فرج بن بطي، بسجيته وعفويته، خلال الحديث إلى الماضي البعيد وتذكر رحلات الغوص بحثا عن الرزق، وكلمات الغواص «الغيص» عندما يهم بالغوص «يارب.. يا بخت الضيف بعشاه ويا بخت الديان بوفاه»، وهو دعاء يحول به نفسه إلى ضيف على البحر باحث عن لقمة العيش يدعو الله بالرزق الذي يوفي به ما عليه من دين. فكان الخالق يلبي الدعاء ويرزقه الخير الوفير، وهنا طالب المحيربي الجميع بالإكثار من الدعاء حق المطر والمعيشة وكل شيء حتى ينعم الله علينا بالخير والسعادة.

رفعت بحيري