تقوم فكرة حفر آبار منزلية للمواطنين في عدد من مناطق الساحل الشرقي وتحديدا في إمارة الفجيرة من واقع معيشي قديم، يأتي في الوقت الذي تبذل الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء جهودا كبيرة لتوفير المياه للمستفيدين من خدماتها في كافة المناطق، إلا أنها لاتزال تواجه تحديا آخر في تقليل حجم الشكاوى وتعكس هاجس المياه الذي يرافق الهيئة والأفراد.

فالماء عصب الحياة به يعيش الإنسان وتستقيم حياته وتطيب، ولأن الماء مهم لصحة الإنسان وسلامته فقد اتخذ الكثير من الناس في الفجيرة من مياه الآبار قضاءً لالتزاماتهم المنزلية المختلفة في حياتهم اليومية، مرجعين السبب في التوجه لحفر الآبار داخل المنزل تحسبا لعثرات الزمان تعينهم على الهروب من شكاوى المياه وخصوصا في أشهر الصيف وارتفاع تكلفة رسوم فواتيرها ؟ بحسب قولهم ؟ .والحديث عن المياه في مختلف العالم وليس الإمارات فقط من الأمور الاعتيادية، ولا يتوانى المسؤولون في كل مناسبة عن الحديث عنه، وعن الواقع الجديد المتغير من عام لآخر ومن شتاء جاف لآخر. وأمام الأنباء المتوالية عن الجفاف وقلة سقوط الأمطار وتذبذبها الكمي والزماني من موسم إلى آخر، إضافة إلى انخفاض مستوى التخزين في السدود، كل ذلك دفع الجهات المختصة إلى التفكير في اتخاذ سيناريوهات وخطط طوارئ والبحث عن مصادر مائية جديدة.

إلى أنه من جهة أخرى أشار عدد من الناس بأن حفر الآبار في الفترة الأخيرة داخل المنازل بات أشبه بالموضة وبخاصة في الفلل والمنازل الكبيرة المنشأة حديثا.

حيث تفنن البعض في إيصالها بمسابح خاصة، إلى جانب انتشارها ساهم في إيجاد تجارة مزدهرة منها توفر أرباحا جيدة للعاملين فيها بواقع أسعارها التي تتراوح مابين 2000 إلى15000 درهم. وعليه أصبح وجود الآبار لا يمكن لأي بيت في الفجيرة الاستغناء عنها، إلا في بعض المناطق التي تكون شبكة المياه فيها حديثة وتعمل بكفاءة عالية.

حل مشكلة

في ضوء كل ذلك يتفق الجميع على فاعلية وجود آبار المياه المنزلية كمشاركة من المواطن في تحمل مسؤوليته في حل مشكلة المياه من خلال إيجاد بئر منزلية تجمع فيها مياه الأمطار أو حتى شرائها وتخزينها واستخدامها في فترة الصيف على الأقل التي يكثر فيما استهلاك المياه، حيث إن وجودها يخفف وبنسبة عالية من شكاوى ارتفاع أسعار رسوم المياه الشهرية.

إضافة إلى الاحتياج إليها في أزمات المياه المقبلة، وذلك على سبيل المثال: عندما توقف تشغيل محطات التحلية التي تزود الأهالي بالمياه جراء المد الأحمر، وكانت الآبار حاضرة لتغطية تداعيات الأزمة ولو بنسبة 50%.

وفي إطار ذلك، أشار المواطن فيصل عبدالله اليماحي إلى أن وجود الآبار المنزلية ذات فائدة عظيمة وهي في الوقت ذاته إحياء لتراث الآباء والأجداد الذين كانوا يعتمدون قديما عليها، وكانت بيوتهم لا تخلو منها ولم يكن آنذاك حنفيات إلا أن المياه متوفرة على مدار العام ولم يكن لديهم مشاكل مياه.

وعن سبب إنشائه بئرا في منزله المقام حديثا قال إنها تعينه على توفير المياه للاستخدامات المنزلية من ري الحديقة والتنظيف وغيرها، وذلك في إطار غلاء رسوم فاتورة المياه التي قد تصل إلى أكثر من 3000 درهم إماراتي شهريا.

إضافة إلى أنها توفر تخزينا طويلا يمتد لأشهر وسنوات تلبي احتياجاته في حال عدم وصول المياه إلى منزله لأي طارئ قد يطرأ. مؤكدا على اعتماد الكثير من الأهالي في الحصول على الماء عبر حفر الآبار. داعيا إلى تفعيل بنائها في تراخيص البناء خاصة في المناطق التي تشهد ضعفا في المياه وارتفاع فواتير استخدامها.

مشروع غير كاف

وأكد عبيد علي من مواطني دبا أنه وفي ظل اتساع الرقعة العمرانية وزيادة السكان على مستوى إمارة الفجيرة أصبح مشروع المياه القائم لا يكفي لاحتياجات المواطنين من هذا العنصر الحيوي والهام.

مضيفا بأن حفر الآبار ليس عادة جديدة، بل هي مألوفة منذ إنشاء المنازل قبل أكثر من 30 سنة، حيث لا يخلو بيت بإمارة الفجيرة وكذلك في مناطق أخرى من الساحل الشرقي من وجود بئر داخل المنزل، جراء ضعف شبكة المياه إلى جانب معاناة الأهالي من ارتفاع رسوم الماء وخصوصا للمساكن والفلل السكنية الكبيرة.

آملا بأن تقوم الهيئة الاتحادية والكهرباء فعليا بتجديد الشبكة وتحديثها لتصل المياه بالصورة المناسبة لجميع المستفيدين من خدماتها وبنسب متوافرة لا تزيد من قيمة فواتيرهم. حتى يتسنى للسكان نيل كفايتهم من هذا العنصر الحيوي والهام.

ووصف المواطن حسن سعيد عن حفره بئر مياه في المنزل كلفته 10000 درهم إماراتي، فقد عانى هو نفسه من تذبذب وصول المياه، إلى جانب ارتفاع رسوم صرف المياه في منزله.

وهو الأمر ذاته الذي حتم عليه وعلى عدد كبير من المواطنين الاحتراز إلى تخزين إضافي يكفيهم لفترة طويلة ويتمثل ذلك بمياه الآبار المحفورة بمنازلهم. حيث طالب الجهات المسؤولة بإيجاد حلول لمشاكل المياه وازدياد حاجة المواطنين للمياه، وخصوصا في موسم الصيف وحرارة الجو الذي يكثر فيه استهلاك الناس لكميات كبيرة من الماء.

دراسة بيئية: الآبار العميقة تنذر بكارثة مائية

حذرت دراسة بيئية من حدوث كارثة إنسانية كبيرة نتيجة استمرار سحب آبار المياه في المنطقة لكميات كبيرة من المياه الجوفية، وعدم تعويض هذه الكميات بنسبة تتناسب مع عمليات السحب، مبينة أن الخزان الجوفي لن يفي بحاجة سكان المنطقة خلال السنوات المقبلة.

لافتة إلى أن جزءاً من مشكلة حفر آبار المياه الحالية يقع على كاهل ارتفاع رسوم الماء على المواطنين ما دفعهم لحفر الآبار، مطالبة بضرورة الاهتمام بالإعلام المرئي والمسموع والمقروء لتوعية المواطنين بالآثار السلبية للآبار المنزلية وآثارها على صحة المواطن، وإبراز البعد القانوني والديني، من حيث عدم شرعية حفر الآبار المنزلية المخالفة.

وبدورها، وضعت بلدية الفجيرة شروط خاصة للراغبين في إنشاء بئر للمنازل أو المزارع أو المنشآت المختلفة. عبر توافر ملكية الأرض المراد حفرها، بحيث يسمح له بموافقة لجنة مختصة بالبلدية، يتم من خلال تقديم رسالة معنية إلى قسم الأراضي يتحصل منها على موافقه بالحفر. أما في حال عدم ملكية الشخص للأرض ودون الحصول على ترخيص حفر بئر مياه فيها تعتبر مخالفة.

والهدف من ذلك تقليل عدد الآبار المحفورة التي قد تؤثر على مصادر المياه الجوفية من حيث الكمية والنوعية. كما وقد طالبت المواطنين بعدم شرب مياه تلك الآبار، إلا بعد إثبات صلاحيتها للاستخدام البشري.

وقال المهندس سيف محمد الشرع المدير التنفيذي لقطاع الموارد المائية والمحافظة على الطبيعة بوزارة البيئة والمياه بأن الدراسات العلمية بإمارة الفجيرة تفيد عن تركيز الأملاح الذائبة الكلية في المياه الجوفية بالخزان الحصوي الشرقي بمنطقة قدفع من 930 مجم / لتر عام 1982 إلى 1915 مجم / لتر عام 2005 بنسبة زيادة بلغت 106% .

وفي منطقة دبا بإمارة الفجيرة زاد تركيز الأملاح الذائبة الكلية في المياه الجوفية بالخزان الحصوي الشرقي من 300 مجم / لتر عام 1981 م إلى 832مجم / لتر بنسبة زيادة قدرها 177%. وفي مدينة الفجيرة زاد تركيز الأملاح الكلية من 894 مجم / لتر عام 1985م إلى 901 مجم / لتر في عام 2005بنسبة زيادة 1%.

وأشار الشرع بأنه يلاحظ من خلال النتائج السابقة أن المياه الجوفية في الإمارة تواجه تحديات من أبرزها التملح في المياه الجوفية، مما أثر سلبا على جودة المياه في المنطقة وذلك لأسباب متعددة، منها: الحفر العشوائي للآبار في المنازل مما أدى إلى استنزاف الخزان الجوفي للمياه وحدوث ظاهرة تداخل مياه البحر في الخزانات الطبيعية العذبة، وأيضا عسر المياه الجوفية وتلوثها مما يهدد إستراتيجية التنمية المستدامة للخزان الجوفي في المنطقة. وأيضا يترتب على ذلك استنزاف الثروة المائية والتي هي ملك للأجيال القادمة.

خطة وطنية

لفت المهندس سيف محمد الشرع إلى أن الوزارة تعمل حاليا على وضع خطة وطنية للمحافظة على الموارد المائية الجوفية بالتعاون مع أحد بيوت الخبرة العالمية (المركز الدولي للزراعة الملحية)، والتي تتضمن حزمة من السياسات والإجراءات.

وهي كالتالي: تكوين لجان مشتركة بين الوزارة والمؤسسات المعنية بالمياه في كافة الإمارات لتنظيم عمليات حفر الآبار، إلى جانب سن التشريعات التي تنظم عمليات الحفر العشوائي للآبار للأغراض الزراعية والمنزلية. بالإضافة إلى تكثيف حملات الترشيد حول مخاطر حفر الآبار على المياه الجوفية. فضلا عن متابعة ورصد التغيرات التي تطرأ على المياه الجوفية من قبل الجهات المعنية بالإمارة بالتعاون مع وزارة البيئة والمياه.

نوعان من آبار المنازل

آبار المياه التي يتم حفرها تنقسم إلى نوعين الأول آبار سطحية حيث يصل عمقها لبضعة أمتار ولا خطورة كبيرة منها على الخزان الجوفي لأنها تستوعب المياه التي تأتي إليها عن طريق السداد، وقدرتها محدودة وتكون من 1 إلى 2 متر مكعب. فيما الآبار العميقة والتي يتراوح عمقها من 30 إلى 60 مترا، بحيث قد تؤدي استنزاف الخزان الجوفي وإلى الزيادة في نسبة الملوحة في المياه.

وكثيرا ما تستخدم الحفارات العادية في حفر الآبار في المنازل وخاصة حديثة البناء من أجل توفير المياه التي تستخدم في البناء أو الغسيل أو ري الأشجار.

بينما تستخدم الحفارات المحورية في حفر الآبار العميقة في المزارع حيث أنها قادرة على الاختراق إلى أعماق سحيقة إلى حيث المياه المتمركزة في الأحواض المائية في أعماق الأرض والتي تكونت منذ ملايين السنين.

ناهد مبارك