المناضلة العظيمة جميلة بوحيرد صاحبة أشهر قصة كفاح لتحرير الجزائر، واحدة من مليون قصة لشهداء ثورة الجزائر، وهي قصة لا تقل في بطولتها عما قدمه المليون شهيد، لكنها بما احتوته من مآس وصمود ترتفع إلى مستوى الرمز، لتعبر عن كفاح الجزائر، وتصبح مثلا للتضحية من أجل الاستقلال، جميلة التي واجهت أبشع أنواع التعذيب وهي لم تبلغ بعد العشرين من العمر. هي اليوم مريضة، وقد وجهت رسالة للشعب الجزائري تدعوه فيها لمساعدتها في جمع المبلغ اللازم للعلاج .
بوحيرد وجدت نفسها مضطرة لطلب يد العون من أبناء بلدها من أجل تمكينها من العلاج، بعدما عجزت عن تسديد تكاليف ثلاث عمليات جراحية أوصى بها الأطباء، مشيرة إلى أنها غير قادرة على مواجهة مصاريف الاستشفاء والعمليات الجراحية والأدوية، إضافة إلى الإقامة في فندق، على اعتبار أن منحتها غير كافية لتغطية هذه المصاريف.لمن لا يعرف جميلة بوحيرد، ولا شك أنهم كثيرون من بين شباب اليوم، نقول، باختصار شديد، إن هذه المرأة هي مجاهدة جزائرية واجهت، في عز شبابها، مجرمي بيجار بكل شجاعة. جميلة عذبت كما لم تعذب أية امرأة في العالم من قبل، كان الطلاب الجزائريون يرددون في طابور الصباح فرنسا أمنا لكنها كانت تصرخ وتقول الجزائر أمنا، فأخرجها ناظر المدرسة الفرنسية من طابور الصباح وعاقبها عقاباً شديداً لكنها لم تتراجع وفي هذه اللحظات ولدت لديها الميول النضالية.
انضمت بعد ذلك إلى جبهة التحرير الوطني للنضال ضد الفرنسيين ونتيجة لبطولاتها أصبحت الأولى على قائمة المطاردين حتى أصيبت برصاصة عام 1957 فقد ألقي القبض عليها أثناء غارة شنتها القوات الفرنسية الخاصة، قدمت للمحاكمة في يوليو 1957، فحكم عليها بالإعدام...
ومع ذلك لم ترضخ ولم تخن. في المحكمة الاستعمارية، واجهت حكم الإعدام بابتسامة صارخة في وجوههم: «تحيا الجزائر»، لكن إرادة الشعوب كانت هي الاقوى والابقى فوق إرادة الظلم الاستعمار، ولم يتم اعدام جميلة بو حيرد بعد ان ام محاميها فرجيس الذي أصبح بعد ذلك زوجها حملة علاقات عامة واسعة غطت العالم للضغط على فرنسا اكتسب من وراء هذه القضية، وما تبعها من قضايا مماثلة، شهرة عالمية.
ومع استعادة الجزائر لسيادتها الوطنية، خرجت جميلة من السجن لتعيش حياتها مثلها مثل أي مواطن عادي رافضة تولي أية مسؤولية أو الاستفادة من أي امتياز، معتبرة أن ما قدمته للوطن كان واجبا لا يحق لها أن تأخذ مقابله أي ثمن.
بوحيرد عزفت عن السلطة ومنذ الاستقلال وآثرت الصمت منذ زمن بعيد، غير أنها هذه المرة قررت أن تخرج عن صمتها، ولكنها هذه المرة تحدثت عن شيء آخر تماما لقد تحدثت عن ظروفها المعيشية ـ وعن منحة المجاهدين التي لا تكفيها ـ عن وضعها الصحي الذي لم يسعفها أخيرا وصار لا يضمن لها الدواء والعلاج..
وكشفت جميلة بعد 47 سنة من استقلال الجزائر بأنها صارت تقترض لتحصل على قوت يومها، بسبب محدودية ما تتقاضاه من معاش، داعية من أراد التأكد من صدقية الرسالة، التقرب من الدكان والجزار، اللذين تقتني منهما حاجياتها اليومية.
والمؤسف حقا ان الرموز الجزائرية لا تحظى بمعيشة كريمة وتواجه الصعاب كغيرها من المواطنين، ما يعني ان الثورة لا تعني الثروة مثلما قال الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين.
ليلى بن هدنة

