بصعوبة وسط زحام البشر والسيارات استطعت إيقاف سيارتي على جانب الشارع أمام أحد محال قطع غيار السيارات وتأهبتُ لمغادرتها لشراء بعض أغراض، إلا أنني فوجئت بأربعة من الباكستانيين يفتحون الأبواب ويستقلون السيارة دون سابق إنذار ويرسم كل منهم ابتسامة عريضة على شفتيه.
لم يطل تعجبي، إذ فهمت أنهم عمال شوارع يسعون للعمل المؤقت لدى بعض الزبائن الذين يردون إلى المناطق الصناعية بغية شراء أدوات الديكور والحديد وغيرها من الأغراض البنائية المنزلية، ولأن التنافس بينهم على أشده، فالقانون الذي يحكم توفير الفرصة هو أسبقية ركوب سيارة الزبون الذي تُحاط سيارته بعشرات منهم يأمل كل منهم أن يكون هو الفائز بهذه الفرصة.علاء الدين شرف الدين يقول إن الفترة الأخيرة شهدت تراجعاً كبيراً في أعداد الزبائن، ولم يعد الانتظار مجدياً طوال اليوم بحثاً عن زبون يريد ترحيل أغراضه من منزل إلى آخر أو يريد تركيب نافذة أو هدم ملحق أو بناء غرفة، الصراع على أشده نظراً لزيادة العدد وقلة فرص العمل.
التقط زميله أحمد عبد الله أطراف الحديث ليؤكد الانتظار الطويل الذي يمتد أسبوعاً ليشارك في عمل بسيط داخل أحد المنازل ويتقاضى عنه أجراً قليلاً لا يتجاوز الدراهم العشرة لا تكفيه لنهاية اليوم ويضطر في اليوم التالي إلى الوقوف في طابور العمالة انتظاراً لعمل آخر جديد وهكذا. أعداد متزايدةومع الأعداد المتزايدة من «عمال الشوارع» الذين نطلق عليهم استثناءً (العمالة السائبة) ومع تعدد المناطق التي يظهرون بها خاصة في الشارقة، في ميدان الرولة والمناطق الصناعية ومنطقة المصلى وشارع الزهراء وغيرها من المناطق ذات الطابع التجاري في الشارقة، مع كل الظواهر السابقة تطفو تساؤلات عدة أهمها: من هو كفيل كل هذا العدد من العمال، وهل من بينهم من يقيم على أرض الدولة بشكل غير شرعي؟ وإذا كان من الحاصلين على كفالة شخص ما فهل من المعقول أن يعمل لدى غير كفيله وفي ذلك مخالفة صريحة لقانون العمل في الدولة؟
يقول يوسف عبد الله إن الاستعانة بعمال من الشوارع غير محددي الهوية يعتبر من أخطر المغامرات لأن القانون يلزم العامل بالعمل فقط لدى كفيله، وهنا يجب عدم التعاون مع هذه الفئة وعدم توفير فرص عمل لهم لأن ذلك يشجعهم على استمرار المخالفة.يضيف يوسف أن عشرات العمال يتجمعون في المناطق الصناعية أو قرب المحلات التجارية التي توفر المواد الخام للبناء للبحث عن فرصة عمل مؤقتة ربما لا تستغرق أكثر من ساعة ويتقاضى عنها أجرا محددا وهذا أيضاً فيه ظلم للعامل الذي يقيم في الدولة بصورة شرعية ويعمل بشكل قانوني لأنه يستولي على فرصته التي وفرها له القانون والمجتمع.
ويضرب عبد الله مثالاً على ذلك بعاملين أحدهما يعمل بصورة قانونية في إحدى شركات الصيانة، وتقدم له الشركة مسكناً ورعاية صحية وتذكرة سفر وما إلى ذلك من الحقوق، نظير قيامه بعمله في صيانة المباني مثلاً، أو غيرها..
وعامل آخر لا يعمل لدى الشركة ولكنه طليق في سوق العمل سواء كان بموافقة كفيله أو دون ذلك، هذا الأخير يزاحم العامل الأول في رزقه ويقلل الفرص الطبيعية له في مجال الرزق، وفي بعض الأحيان قد يفضل أصحاب الأعمال البسيطة كالترميمات المنزلية وحفر آبار المياه وغيرها، قد يفضلون العامل السائب لأنه يتقاضى أجراً أقل من الشركة المتخصصة وهي مصلحة ذاتية مباشرة تخدم هدفه ولكنها تتعارض مع النصوص القانونية كما تمس الأمن الاجتماعي لما فيها من مخاطرة على الطرفين، العامل وصاحب العمل.
عمال الأرصفة
يحذر أحمد اليافعي من التعامل مع هذه الفئة من العمال الذين يتواجدون على الأرصفة وأمام المحلات وفي بعض الأحيان نراهم يطوفون على البيوت يعرضون خدماتهم بصورة فجة ومباشرة، ويؤكد أن محاصرة هذه الظاهرة قبل انتشارها يفيد المجتمع ويفيد هؤلاء العمال أنفسهم، وبصرف النظر عن كون هذا العامل حاصلا على موافقة كفيله من عدمه فمن غير المنطقي أن نمنحه فرصة للعمل وتقاضي راتب، لأن ذلك يفاقم الظاهرة ويحفز العامل الذي يعمل بشكل قانوني على المخالفة والهروب من الكفيل للبحث عن فرصة ضمن سوق العمل اليومي المفتوح.
كما يؤثر سلباً على الاقتصاد القومي لأن هذه الأعمال لا تدخل ضمن الناتج القومي ولا يستفيد منها العمال من الناحية المهنية لأنها غير مثبتة في جانب التوثيق المهني، فلا يمكن مثلاً لأحد هؤلاء العمال الحصول على شهادة خبرة أو قياس درجة تقدمه أو خبرته في أية حرفة لأنهم يغيرون الحرفة بصورة مستمرة، فلو كان السوق اليوم في احتياج إلى فني في الكهرباء يسارع هذا العامل إلى العمل، ولو عثر في الغد على فرصة تتطلب مهارات في النجارة يسارع إلى المشاركة.. وهكذا.
ويضيف اليافعي أن هذا النوع من العمالة يفتقر إلى المهارات المطلوبة حيث أن أصحاب المهارات والحرف المعروفة والتي يحتاج إليها فعلياً سوق العمل لا يلجأون إلى تلك الطريقة للحصول على فرص عمل متقطعة ولا يحتاجون إلى البقاء على الرصيف في انتظار مهمة يتقاضى مقابلها 10 أو 20 درهما.
ويرى سيد بدوي أن انتشار العمالة السائبة يسيء إلى المجتمع لأنه يعطي صورة سلبية وغير حقيقية عن سوق العمل، وهذه المسألة مهمة لأن قيام هذه الفئة من العمال بالعمل ضمن سوق مواز للسوق الحقيقي يعني التداخل في الإيجابيات والسلبيات، فلا يوجد ضابط ولا رادع في حالة الخطأ إذا وقع أثناء العمل.
ولا يوجد ما يحكم طبيعة العلاقة بين هذا العامل ومن يقم بالاستعانة به من العملاء ، وأعتبرهم شركاء في المخالفة لأن من المهم مراعاة عنصر الأمان عند الاستعانة بعامل يدخل المنزل ويطلع على الغرف والمداخل، وبطبيعة الحال إذا وقعت مخالفة أو خطأ من أي نوع فلن يستطيع العميل الوصول إلى العامل مرة أخرى لأنه جلبه من الشارع.
غياب الرقابة على المشروعات يفاقم الظاهرة
يؤكد المحامي عبد الحميد الكميتي أن السبب في وجود العمالة السائبة هو عدم وجود رقابة على المشروعات والرخص التجارية التي صدرت بصورة مبالغ فيها خلال الفترة السابقة، وللأسف فإن معظم هذه الرخص لا تعبر عن مشروعات أو أعمال حقيقية، ولذلك يتم استغلالها في استقدام العمالة التي لا تجد العمل الفعلي وبالتالي تضطر للبحث عن فرص العمل في الشارع.
يضيف الكميتي: إننا نعتبر الزيادة في أعداد الرخص التجارية مؤشراً على النجاح الاقتصادي، وقد يكون الأمر مقبولاً إذا كانت الأرقام تعبير صادق عن حجم الأعمال الاقتصادية، إلا أن الأمر غير ذلك لأن أعداد الرخص تفوق بكثير احتياجات سوق العمل والمشروعات الحقيقية.. أما المؤشر الثاني الذي نقيس به التطور الاقتصادي فهو الزيادة المطردة في أعداد تأشيرات الزيارة الممنوحة سنوياً لدخول الدولة، وربطها بزيادة الإنتاج وارتفاع الناتج القومي، والواقع الذي نراه يوضح أن هناك رخصاً كثيرة دون إنتاج حقيقي، مما يؤكد أنها صدرت لصالح أعمال وهمية لا توجد على أرض الواقع.
ويؤكد الكميتي على وضوح النصوص القانونية في معاقبة الكفيل الذي يسمح لمكفوله بالعمل لدى الغير، وهناك نوعان من المخالفات الأول إذا كان المكفول يحمل إقامة صالحة، وفي هذه الحالة يعاقب الكفيل بإلغاء كفالته للعامل ويعاقب الشخص الذي استخدم عاملاً على غير كفالته بالحبس لمدة شهر وغرامة مالية قدرها 50 ألف درهم.. أما إذا كان العامل لا يحمل إقامة صالحة كأن يكون دخل إلى البلاد متسللاً يعاقب من يقوم بتشغيله بالحبس شهرين وغرامة مالية مقدارها 100 ألف درهم.
ويضيف أن المخالفات المرتبطة بالعمال المخالفين تزداد بصورة ضخمة والنيابات والمحاكم في دبي والإمارات الأخرى تشهد ضغطاً متزايداً في قضايا الهجرة.
تجربة مؤلمة واقتراح بحملات مفاجئة لضبط العمالة
يقول سيد بدوي عن تجربته في هذا المجال إنه استعان بأحد العمال الموجودين في الطريق العام للقيام بإصلاح أنبوب المياه المعطوب في بيته، وأقنعه العامل بالحصول على أنبوب بديل بسعر رخيص لتركيبه عوضاً عن شراء أنبوب أصلي، ووافق بعدما عرف أنه يوفر ما قيمته نصف الثمن تقريباً.. إلا أن الأنبوب الجديد لم يصمد سوى عدة أيام انهار بعدها، واضطر للاتصال بإحدى شركات الصيانة التي حضر فنيوها وقاموا بالإصلاح كما يجب.
وعندما تتوقف النتيجة فقط على الخسارة المادية قد نتغاضى عن الأمر برمته، إلا أن النتائج في الأغلب الأعم لا تتوقف عند ذلك، ربما تتجاوزها إلى أمور قد ترتبط بالصحة أو المخالفات الأمنية التي تهدد استقرار المجتمع. يقترح بدوي تنظيم حملات سرية منظمة على التجمعات العمالية التي تفترش الطريق لضبط المخالفين وتقديمهم للعدالة منعاً لانتشارها.
أيمن حجازي



