الصداقة نصيبهما بقدر مكتوب.. منذ سنوات مبكرة من عمرهما تشاركا ذكريات أبت إلا أن تحجز لها مكاناً في مفكرة حياتهما.. ابتعدا لفترات قصيرة من شبابهما، وعادا ليلتقيا في العمل.. وهنا في الإمارات كان القدر مظللاً لصداقتهما البريئة، جامعاً لأحلامهما المضيئة.
أحمد ومعتز، تقاسما منذ الصغر، رغبة منهما في تعميق أواصر الصداقة الأخوية، الكثير من الملامح الحياتية المضيئة في قاموس ذكرياتهما، وفي جانب العمل كان التشابه سيد الموقف لاسيما وأنهما تخرجا من جامعتين مختلفتين حاملين من دون قصد شهادة في التخصص نفسه.. وفي الإمارات كان التقاؤهما مرة أخرى.
مضت بضع سنوات على مجيئهما للعمل في الإمارات، اختارا وظيفة متشابهة لكليهما دون أن يتمكنا هذه المرة من الالتقاء في مؤسسة واحدة، وكلاهما يتقاضى نفس الراتب تقريباً، بضعة آلاف من الدراهم شهرياً، يتقاسمانها في حاجات مختلفة، فيزيحان بها ضيق الحياة.
بعد سنوات قليلة قرر أحمد البحث عن فتاة يتزوجها وعاد بأصالة الذكريات إلى ماضيه في بلده الأول، واختار شقيقة صديقه وتم الزواج، وبعد شهور قليلة، وهي تحديداً فرق العمر بينهما، تزوج صديقه معتز من فتاة اختارها بقرار أعد له الكثير من الحسابات.
أحمد ومعتز يؤمنان أن الحياة لا تعني المال وحسب، ففيها من الذكريات والقواسم المشتركة ما يكفيهما للعيش في نعيم القناعة سنوات طويلة.. وقبل الذهاب إلى بلدهما من أجل الزواج تمكنا من استئجار شقتين منفصلتين في الشارقة، بالتأكيد كل واحدة تستقطع نصف الراتب شهرياً، وبسبب ذلك سافر الاثنان على أمل العودة بعد الزواج لتأثيث البيت.
اضطر أحمد لدفع كل ما في جيبه على تكاليف الزواج لظرف خارج عن إرادته، وعاد إلى الإمارات برفقة زوجته وفي جيبه 200 درهم «فقط لا غير»، وهو ما يكفيه من الطعام ليومين أو ثلاثة.
البيت الجديد الذي انتقل إليه أحمد وزوجته يخلو من مختلف أصناف الحياة.. لا ثلاجة ولا غاز ولا غسالة ولا حتى تلفاز، وكل ما يملكه فقط غرفة نوم متواضعة.. أما زوجته «العروس» فقد عرضت عليه بيع ذهبها لتأمين أساسيات حياة معقولة هنا في الإمارات، لكنه رفض عن قناعة أن الذهب يخص الزوجة، وليس من شيم الرجال التصرف به.
تطور لم يكن بالحسبان.. مر يومان من القلق والمعاناة، والحال لا يزال على بعضه.. فكر أحمد كثيراً وراح يسترجع شريط الماضي ليجد منقضاً يوفر له بعض المال الذي يكفيه على الأقل في الأكل والشرب.. وفي اليوم التالي فوجئ باتصال من أحد الزملاء في شركة قديمة كان يعمل بها، يخبره أن عليه مراجعة الشركة لأمر هام.. هل تعرف ماذا يريدون مني؟ سأل أحمد زميله، فأجاب: حسب اعتقادي الأمر يتعلق بالشؤون المالية.. ارتاب أحمد قليلاً، وبدأت الحسابات تتداخل في رأسه.. هل يريدون مني المال ثمناً للإقامة ومتعلقاتها، أم ماذا، ومن أين لي بالمال وفي جيبي بضع عشرات من الدراهم.
صباح اليوم التالي وصل أحمد إلى شركته القديمة، وفي الشؤون المالية والإدارية كانت المفاجأة.. شيك بقيمة 10 آلاف درهم باسم أحمد، لماذا وكيف ومن أين.. لا يعرف! أمسك به غير مصدقاً.. ولسان حاله شاكراً للخالق المعطي بلا نهاية.. عاد به وعادت الحياة إلى بيته.. وسريعاً اقتسم المبلغ مع صديقه معتز الذي كان يقف هو الآخر على أعتاب أزمة مادية قد يبهت معها بريق الزواج الجديد.. مات الخوف وانتعش الأمل لحياة أفضل.
عنان كتانة