شاطئ رملي وموجة منسابة في خلوة الوقت والفضاء.

البحر هذا المورد الأسطوري العطاء، والأسطوري الغموض والأسرار. في حالاته وتقلباته عنفوان الطبيعة الأكبر، وفي سكونه تبتل الكائنات والمخلوقات. يمتد متناغما مع نسيمات الهواء، وينداح على الرمال كلما ترنمت موجة للاسترخاء على الشاطئ المجهول. هذا الشاطئ الذي طالما شهد وتكتم على أحداث ومجريات، وطالما دفن بين حبيباته مفقودات قيمة، مفقودات كانت مغانم الصغار في لهوهم ذات عصر والريح تذرو الرمال عن كنوز تتكشف متاحة لأيدي الصغار.

كان يوما ختمت به الأربعة أشهر وعشرة أيام اقتضتها الشريعة الإسلامية لأرملة أنهت عدتها. أتذكرها تماما، كان يوما في بداية الشتاء، وكان البرد يراوح في غدوه ورواحه، حين أسلمتنا يديها عن اليمين وعن الشمال، ثم أغمضت عينيها، وانطلقنا بها إليه.. إلى البحر، وهي تتمتم بعبارات عصيت على مداركنا الطفولية، لكنها أجادت في انجاز المهمة التي كلفتنا بها، وقد استسلمت لمسيرنا بلا كلمة غير تمتماتها المستمرة، تذكره بها..

تذكر البحر الكبير. أتذكرها تماما حين أكدت أمرها «إياكن أن تنسين لابد أن أضع قدمي في البحر قبل أن أفتح عيني لا تقلن وصلنا حتى ألمسه بقدمي العارية أولاً».

انه البحر إذن وإنها تقاليد موروثة، من جملة الأسرار وربما الخرافة. هكذا يقبع في صمته وسره لتتوالى عليه النذور والطقوس.

ترى كيف أدركت تلك الأرملة مغبة النظر في نهاية العدة لغير البحر.. لا بد من النظر إلى البحر أولا وقبل أي شيء، هي نظرة تحصن من الفقد وتمنع الحزن. هكذا ساد الاعتقاد وهكذا امتثلنا له ولها. وإذ وصلنا.. واذ اقتربنا بها.. وإذ تلامست قدماها بسطحه البارد أفلتت يديها من يدينا وهي ما زالت مغمضة العينين وسارت، سارت خطوات داخل البحر ثم استكملت تمتماتها السرية قبل أن تفتح عينيها على اتساعهما للبحر.

(المنظر لشاطئ فندق الجزيرة الحمراء برأس الخيمة).. هو البحر منذ القدم والى ما شاء الله حاملا الأسرار والأخطار ضمن منظومة من الطقوس كما يحمل الخير الوفير.

فاطمة محمد الهديدي