افتتح رستم الزعبي سفير سوريا لدى الدولة مساء أول من أمس؛ معرض «صدى» للفنان التشكيلي السوري سهيل بدور الذي يقيمه على مدى 20 يوماً بقاعة «قباب» للفنون في أبو ظبي.
ويضم المعرض 32 لوحة فنية و9 منحوتات برونزية، متمرداً على السطحية التي يعيشها العالم؛ عازفاً على أوتار الزمن الذي سرق منه البراءة وأعطاه الإبداع، غير آبه بشكليات ونظريات الإسمنت التي تفصل الأشياء عن كينونتها الحقيقية، يبحر التشكيلي والنحات السوري سهيل بدور إلى أماكن قصية من مدينة الإبداع، فلا تكاد تمضي فترة يحفر فيها اسمه في جدارية الحياة عبر أحد معارضه؛ إلا وتجده يحاور اللحظة ويخاتل الزمن لينحت عبر أيامه «ربّات جمال» ينرن بعضاً من لياليه الحزينة ويعزف بريشته ألواناً من المسرات الضائعة.
حين يستذكر سهيل بدور قريته «صلنفة» في اللاذقية وهي تحتضن البحر والجبل؛ يكاد يقيم جلداً للذات وبكائية تختفي وراء كلماته، حيث يقول: لقد أعطتني قريتي كل شيء، ومنحتني الحياة والأبعاد الروحية وأوحت لي بعشق الكائنات دون تمييز، ولكني بادلتها الخيانة فسلبتني المدن براءتي التي أفتقدها وأحن إليها، بل إني أفتقد الفقر والعوز الذي كنت أعيشه في قريتي، ولا أخجل من كوني مارست عمل «مسح الأحذية» لخمس سنوات في طفولتي.
ورأيتُ أحلامي أولاً في «أحذية» أولئك البشر حين ألمعها وأحصل على ما يقارب 10 فرنكات، ولكن المدن أغرتني وأغرقتني الحياة في ملذاتها وأفقدتني طهارتي الأولى، ولكنها بالمقابل منحتني الانتقال لحياة الفن والمعارض والأضواء والشهرة، ولكني ما زلت أستذكر المنحوتات الأولى التي شكّلتها في صخور وتراب القرية.
يتعامل بدور مع خامة البرونز وتربطه بها حالة من الشغف الخفي، ورغم اشتغاله على جميع الخامات في منحوتاته؛ إلا أن يفضل البرونز عليها ويرى بأن هذه الخامة ميزان حقيقي لموهبة النحات، ويقول: لقد سئمت الخامات المستسلمة الطيعة، فأردتُ خامة أتحداها وأمارس عليها سلطتي وديكتاتوريتي فوجدتها في البرونز، فهناك كتلتان أتعامل معهما في المنحوتة؛ إحداهما في الفضاء أو الأثير والأخرى في رأسي، وأنا أشتغل على المساحة المتاحة بينهما.
وأقولها بصراحة أنه ورغم ظهور العشرات من الأسماء في الفن؛ إلا أن الفكر -أدباً وفناً- بات عقيماً ولم يعد ينتج جديداً منذ الأربعينات، ولكني أمارس قلقي بمشاكسة لأخرج ما برأسي من إبداع. في لوحات بدور تجد علاقة كونية بين المرأة والآلة الموسيقية ربما تحيلك إلى رؤية السوريين القدامى للمرأة بوصفها الحياة والخصب والروح والحب وجميع الرموز الأنثروبولوجية في الحضارات القديمة.
ويقول في ذلك: المرأة في الحياة آلة موسيقية تمشي على قدمين، والآلات الموسيقية في أغلبها تحمل طابعاً أنثوياً، والمرأة هي صدى ألحان الطبيعة، كما أن لي جنونا أمارسه حين تحاصرني الغربة بألوانها المتعددة، وأعمالي التي أقدمها لا تقبل الأغبياء، بل أكثرهم رقة وإحساساً وذكاء.
أبو ظبي- محمد الأنصاري
