أفاق خليل على رنين المنبه بتثاقل، ويبدو أن الوقت قد فاته قليلاً، فصاح في وجه زوجته «تأخرت على عملي»، وعلى الفور نهضت الزوجة تلملم نفسها على عجالة لتعد لزوجها ما يأكله قبل أن يخرج، فهي تدرك أن يومه في العمل طويل.. في ذلك اليوم بالتحديد لم يكن خروجه كالمعتاد «بلا كلمة وداع»، فقد خرج من البيت مسرعاً وتوجه إلى سيارته، وعلى الفور أقدم على تشغيلها والتحرك مباشرة، محاولاً أن يرسم برأسه خريطة هروبه من الازدحام المروري الذي يأتي صباح كل يوم على شوارع المدينة، وبدا محتاراً لا يفضل طريقاً على أخرى.
انطلق سريعا من أمام بيته وبدأ رحلة التقلب بين القنوات الإذاعية التي لم يجد فيها ما يريده، وفجأة شعر بهزة قوية وكأن الأرض قد أصابها زلزال قوي، لم يدرك على الفور ما حدث، ولكنه استيقظ على صوت فرامل سيارته التي تبعها اصطدام قوي بأحد أولئك الذين اعتادوا قطع الشوارع بسرعة دون الانتباه إلى حركة السيارات، ورغم الخوف الذي كان يصب في قلبه من أن يكون قد تسبب في وفاة الرجل، إلا أنه توقف في منتصف الطريق ليترجل من سيارته راكضاً نحو المصاب يتحسس مكان إصابته، فوجد فيه نفساً.
لم يحاول معاتبته إنما أمسك هاتفه المتحرك للاتصال بالعمليات وطلب الإسعاف، وبصوت راجف قال للشرطي: «صدمت أحد المارين على شارع...، وهو مصاب»، وأكمل للشرطي في تقديم بعض البيانات بسرعة لتحديد موقع الحادث ومدى إصابة الشخص الآخر.
ولم تكد تمضي عشرة دقائق حتى امتلأ المكان بصوت دورية الشرطة تصاحبها سيارة الإسعاف، ليبدأ أفراد طاقمها الطبي على الفور إجراءات الإسعاف الأولي للمصاب، حاول خليل جاهداً أن يشرح للشرطي ما حدث معه، وكيف فوجئ بالرجل وأنه لم يقصد أن يصدمه، ولكن الشرطي سحبه من يده إلى طرف الشارع وطلب منه الجلوس على الأرض وشرب الماء لتخفيف توتره، مخاطباً إياه: «لا تخف تعال معي، الحمد لله الله سلم، وإصابة الشاب بسيطة».
حاول الشرطي جاهدا أن يخفف من توتر خليل وانفعاله، فهو يدرك تماماً أن قطع الشارع من غير ممرات المشاة ممنوع، ويشكل خطراً على الجميع، ولكن في المقابل فالشرطي كان مضطرا لإيقاف خليل احترازيا لحين صدور التقرير الطبي الذي يبين حقيقة حالة المصاب، وفي تلك اللحظات بدا خليل واجما لا يقوى على شيء، فقد شلت صدمة الموقف حركته وتفكيره، وتلك هي المرة الأولى التي يواجه فيها مثل هذا الموقف.
غسان خروب