تسترخي بيزلي كارويل باون، البالغة من العمر 15 عاماً، في حجرة الجلوس بشقة عائلتها في نورث هوليوود، ومثل أي فتاة في عمرها، تتجاذب أطراف الحديث والضحك مع صديقتها، متحدثة عن حلمها بأن تصبح نجمة «بوب». لكن هذا المشهد اللطيف من حاضر بيزلي لا يظهر شيئاً عن ماضيها المخيف الذي ما زالت هواجسه تطاردها أحيانا مثل كابوس مرعب حتى اليوم.
بدأ كابوس بيزلي بعد أن أصيبت بجلطة دماغية وهي في سن السادسة. ولم تكن تلك الجلطة سوى عارض واحد من مضاعفات فقر الدم المنجلي، ذلك المرض الوراثي الذي لازمها منذ نعومة أظفارها. ونتيجة لهذا الاضطراب، الأكثر شيوعاً بين الناس المتحدرين من أصول إفريقية، فإن كريات الدم الحمراء الحاملة للأكسجين، والتي تكون عادة مستديرة ومرنة، تصبح صلبة وشكلها هلالي أو منجلي. وتجد خلايا الدم المنجلية صعوبة في المرور عبر الأوعية الدموية الدقيقة لإيصال الأكسجين إلى أنسجة وأعضاء الجسم، فتتكتل وتعيق تدفق الدم، متسببة بألم شديد، نتيجة لاستسلام أجزاء من الرئتين والعظام والنخاع والكليتين لحالة الافتقار للأكسجين. وهكذا يموت المصابون بهذا المرض عادة ببطء على مدى سنوات.
كانت حالة بيزلي سيئة جداً لدرجة أن أطباءها أخبروا والديها بأنها قد لا تعيش لسن الثامنة عشرة. وقد تسبب أول جلطة بشلل جزئي في ساقها اليسرى. وكان الألم يلازمها ليلاً ونهاراً. وبدأت مفاصل أوراكها تتآكل. ثم بدأت الأمور تزداد سوءاً، وحاول أطباؤها منع تعرضها لجلطة أخرى بإجراء علميات نقل دم مرة كل ثلاثة أسابيع لتخفيف شدة تأثير خلايا دمها المنجلية بإضافة خلايا دم حمراء طبيعية. وأعطى هذا الإجراء نتيجة لبضع سنوات لكن نظامها المناعي تعلم بعد ذلك كيف يتعرف على بروتينات خلايا الدم المنقول وبدأ بمهاجمتها. لقد كان جسمها يعمل بأقصى طاقة وأقصى سرعة لتدمير الدم المنقول لها بهدف إنقاذ حياتها.
ويقول هشام عبد العظيم، احد الأطباء المشرفين على حالتها في مستشفى الأطفال في لوس أنجلوس: «أدركنا عندها أن خياراتنا نفذت تقريباً، وأخبرنا أهلها أنه لم يبق لها سوى أمل واحد، هو إجراء عملية زرع خلايا جذعية خطرة لها.» وتتطلب هذه العملية أولاً استخدام عقاقير كيماوية قوية لإبادة نخاع عظمها الذي ينتج خلايا الدم المنجلية. ومن ثم يزرع لها الأطباء نخاع عظم متبرع به غني بالخلايا الجذعية القادرة على توليد خلايا دم حمراء جديدة طبيعية. ولم يكن أمام العائلة خيار سوى القبول بهذا الرهان.
أجريت العملية بنجاح، والآن بعد مرور أربع سنوات، من الصعب أن يتخيل المرء ان بيزلي اليوم هي ذلك الشخص نفسه. وفي الواقع أنها فعلاً ليست الشخص نفسه. فمع أنها ولدت وفيها جينات خلايا الدم المنجلية، فهي تعيش الآن خالية من الخلايا المنجلية. والدم السليم الذي يجري في عروقها ليس دمها، بل دم امرأة في الـ 45 من عمرها، تبرعت بنخاع عظمها. ولقد أعيد بناء جسم بيزلي بالكامل بتلك الخلايا الجذعية المأخوذة من الشخص المتبرع، وبفضلها تنام بيزلي الآن ملء جفنيها دون أن يقدّ مضجعها ذلك الألم الرهيب. وهي لا تحتاج الآن إلى عمليات نقل دم ولم يعد يقلقها التفكير باحتمال تعرضها لجلطة أخرى بالموت باكراً.
وتسلط قصة شفاء بيزلي الضوء على جزء ضئيل جداً من إمكانات الخلايا الجذعية، تلك الخلايا الخالدة التي تنقسم بشكل لا متناه لتولد أنسجة جديدة طيلة حياة الإنسان.
والخلايا الجذعية التي استخدمت في علاج بيزلي، وهي خاصة بالدم على وجه التحديد، أتت من نخاع عظم متبرع بالغ سليم. لكن العلماء يؤكدون أن علاجات أوسع نطاقاً بكثير ربما تكون ممكنة باستخدام الخلايا الجذعية الجنينية، التي يمكن أن تتخلق لتولد أي نوع من أنسجة وأعضاء الجسم، والتي يمكنها نظرياً إصلاح أي نوع من تلف أنسجة أو أعضاء الجسم.
وبرغم كل الجدل العلمي والأخلاقي المثار حول قضية إجراء التجارب على الخلايا الجذعية الجنينية، فإن الكثيرين يرون في قصة إنسانية واحدة مثل قصة بيزلي مبرراً كافياً للمضي قدماً في هذه الأبحاث التي تقترب الآن أكثر من أي وقت مضى من إيجاد علاجات لمختلف الأمراض من السرطان وأمراض الدم إلى الاضطرابات المناعية والأمراض المزمنة.
