تخيل أنك كلما سمعت نغمة وتر معين يرن على آلة موسيقية، يتراقص أمام عينيك لون معين. وكل وتر يستحضر أمام ناظريك لوناً مختلفاً، وهكذا فعندما تستمع إلى مقطوعة موسيقية فكأنك تنظر إلى عرض مثير للمفرقعات النارية الملونة. هكذا كانت حال جيمي هندريكس، الذي كان «يرى» الموسيقى، وهذه أيضاً كانت حال الموسيقار الشهير فرانز ليست، الذي عاش في القرن التاسع عشر، وطلب ذات مرة من الأوركسترا أن تعزف مقطوعة أقرب إلى اللون «البنفسجي الداكن» لا «الوردي الفاتح».

وبخلاف الكثير من الحالات العصبية الأخرى، فإن هذه الحالة التي تختلط فيها الحواس، أو تداخل الحواس أو ربما لا تكون مصدر معاناة للمصاب بها، وإنما بمثابة بعد إحساس آخر لإدراكه للعالم من حوله، ومصدر قدرات استثنائية.

لكن في الواقع فإن «السيناستيغا» أكثر شيوعاً مما يعتقد الكثيرون، وبإمكانك حتى إن تجربها بنفسك.

ضع مكعباً ثلجياً تحت لسانك ودعه يستقر في مقدمة فمك. ماذا يحدث؟ من المحتمل جداً أن تتذوق طعماً مالحا أو حامضاً، رغم ان الشيء الوحيد الموجود في فمك ليس له أي طعم. وما يحدث هنا هو ان حاسة معينة، وهي حاسة اللمس (أو بالأحرى حاسة استشعار الحرارة)، استثارت حاسة أخرى هي حاسة التذوق، إذن فهي حالة «تداخل حواس».

وفي حين أننا نتوهم ان حاسة الذوق مصدرها الوحيد الحليمات الذائقة الموجودة على اللسان، فإن 80 بالمئة من «إحساسنا بالتذوق» يأتي عن طريق الأنف. لكننا نشعر بأن التجربة كلها تحدث في الفم. وفي الحقيقة، إننا عندما نضع الطعام في فمنا، فإن الشكل والصوت والملمس ـ وحتى الأفكار المسبقة ـ كلها تعمل مشتركة في إنتاج إحساسنا الإجمالي بالنكهة. والآن فقط بدأ العلماء يفهمون التنوع الحسي الذي ينطوي عليه «إدراك» الطعام.

ويعكف الآن العلماء في جامعة نوتينغهام البريطانية على دراسة هذا التداخل الحسي الذي يحدث عندما نتناول الطعام، لاسيما بين حاستي الشم والتذوق. ولقد طور قسم العلوم الغذائية في الجامعة جهاز يدعى «الأنف أم إس»، يخرج منه أنبوب مطاطي يوضع في أنف الشخص المتطوع، ليقوم برصد المواد الكيميائية التي تنبعث عن الطعام، بينما يقوم الشخص بالتهامه.

ويقول البروفيسور أندي تايلور، أستاذ تكنولوجيا النكهات في الجامعة «اكتشفنا أن هناك مناطق في الدماغ لا تستجيب إلا للمنبهات الحسية مشتركة». وباستخدام مثل هذه المعارف الجديدة، يستطيع العلماء في نوتينغهام الآن إعادة هندسة الأغذية. هل تريد لبناً قليل الدسم له طعم اللبن كامل الدسم؟

يستطيع العلماء الآن تحليل كيفية إحساسك بتجربة تناول اللبن كامل الدسم، عن طريق دراسة تداخل العناصر الكيميائية في الفم والأنف، ليحاولوا بعد ذلك محاكاة تلك التأثيرات في اللبن قليل الدسم، لكن بدون استخدام المكونات الدسمة التي تؤدي إلى البدانة.

ويؤثر أيضاً لون الطعام أو الشراب الذي نتناوله بشكل كبير على «تذوقنا» لذلك الصنف من الطعام أو الشراب. وأحياناً، يمكن أن تخدعنا عيوننا. ففي تجربة أجريت العام الماضي، وزعت حلوى «سمارتيز» الشهيرة، بألوان مختلفة، على مئات من طلاب جامعة أوكسفورد، وسئل كل منهم عن نكهة قطعة الحلوى التي تناولها.

وفي معظم الحالات، تحدث الطلاب عن نكهات مختلفة للألوان المختلفة، حيث قال كثير منهم، على سبيل المثال إن حبات «السمارتيز» الخضراء كانت بطعم الليمون. لكن كل هذه الاعتقادات كانت خاطئة، لأن جميع الألوان لها نفس النكهة، باستثناء الحمراء التي لها نكهة البرتقال.

وهذا ما يبرر النشاط العلمي المحموم الذي يقوم به الباحثون الآن لاستخدام اللون لتعزيز «إدراكنا» للحلاوة. وهناك أبحاث تشير إلى انك إذا وفقت لاختيار اللون الصحيح لمشروبات عصائر الفاكهة المعلبة، فبإمكانك خفض محتواها من السكر بنسبة 11 بالمئة بدون أن يشعر الناس بفارق في المذاق. ذلك أن هناك في أدمغتنا آلية معينة لتفسير ألوان الطبيعة.

فالفواكه، عندما تنضج، يتحول لونها من الأخضر إلى الأصفر ثم البرتقالي وأخيراً الأحمر. ولذلك فإن اللون الأحمر يبدو فعالاً، بشكل خاص، في تحفيز إدراك «المذاق الحلو» في أدمغتنا. ولا عجب إذن، أن تتسابق كبريات الشركات العالمية المصنعة للمنتجات الغذائية، للاشتراك في دعم هذه الأبحاث التي ستمنحهم مفاتيح لا تقدر بثمن للتحكم بطريقة «تذوق» المستهلك لمنتجاتهم.

ظاهرة بين النساء

منذ أربع سنوات اكتشف الاطباء في جامعة زيورخ حالة نفسية غريبة تدعى سيناستيجا لدى طالبة من الجامعة نفسها. هذه الشابة ترى في رأسها كافة ألوان الطيف حين تسمع صوت البيانو في حين تسمع نغمات البيانو حين ترى ألوان الطيف!!

والمصاب بالسيناستيجا قد يرى مزيجاً من الأحرف الملونة كلما زادت حدة النغمات، وقد يشعر بمذاق حلو أو مر في فمه حين يمرر يده على سطح أملس أو خشن. سيناستيجا تنتشر بين النساء بنسبة أكبر من الرجال، وبين الكتاب والموسيقيين والمبدعين بنسبة تفوق (بثمانية أضعاف) عامة الناس. فهي موجودة مثلا بشكل جزئي أو كامل لدى رسامين كبار مثل بيكاسو وبونابارت وموسيقيين معروفين مثل بيتهوفن وباخ.

ويعتقد أن الإصابة بالسيناستيجا تعطي هؤلاء المبدعين أبعادا أوسع ومشاعر أعمق في إدراك الأبعاد الفنية والجمالية للأشياء.

فالفنان مثلا قد يربط بين الأشكال المعبرة والألوان الصارخة، في حين قد يترجم الموسيقار مناظر الطبيعة إلى نغمات موسيقية مميزة. ورغم وجود عدد كبير من الروابط المحفزة لدى المصابين بهذه الحالة، إلا أنه يلاحظ أن معظم الحالات تتضمن الربط بين الألوان من جهة والكلمات والأرقام من جهة أخرى.

إعداد ـ على محمد