إذا قدر للإنسان أن يعثر يوماً على الحياة خارج كوكبنا، فقد يكون أول اكتشافاته في الوديان المظلمة العميقة في قيعان محيطات ضخمة خارج الأرض، حيث بات من المؤكد الآن أن هناك أجراماً سماوية أخرى في مجموعتنا الشمسية فيها بحار ومحيطات. ومن المعتقد أن هناك على الأقل خمسة أقمار تابعة لعطارد وزحل تخبئ بحاراً عملاقة تحت قشرتها الجليدية.
ولاكتشاف المزيد عن هذه العوالم ومحيطاتها المخبأة، يتم الآن الإعداد لرحلتين فضائيتين. وإذا سار كل شيء كما هو مخطط له، ففي غضون عقد من الآن، سوف تقوم المهمة الأولى بإرسال مسبارين فضائيين لاستكشاف قمرين تابعين لكوكب عطارد. وسوف تركز المهمة على قمر جانيميد العملاق وقمر يوروبا الباهت، حيث سيقوم المسباران بمعاينة أعماق المحيطات التي بات من شبه المؤكد وجودها تحت سطح تلك الأقمار.
وبعد ذلك ببضع سنوات، ستنطلق مهمة فضائية أكثر طموحاً وتعقيداً باتجاه عطارد لسبر البحر القطبي على قمره الأبيض الناصع «إنسلادوس»، كما ستزور المركبة الفضائية أيضا القمر تيتان الذي يتمتع بمناظر طبيعية مميزة ربما تكون الأكثر إدهاشاً في المجموعة الشمسية. ولاستكشاف هذا القمر العملاق سوف ترسل المركبة منطاداً حرارياً ليحلق فوق جباله الصحراوية ومركباً عائماً يطفو فوق بحر الهيدروكاربونات السائلة.
وقد تم الإعلان عن هذه الخطة لاستكشاف المحيطات الفضائية في شهر فبراير الماضي، عندما قرر الرؤساء العلميون لكل من وكالة الفضاء الأميركية ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية المضي قدماً في الخطوات التمهيدية لكلا المهمتين الفضائيتين. ويأتي عطارد على رأس الأجندة، لأن مهمة يوروبا ستعتمد على تكنولوجيا فضائية مختبرة.
وبحسب الخطة، ستنطلق المهمة في 2020 على مرحلتين، حيث سينطلق أولاً مسبار ناسا «جوبيتير يوروبا أوربيتر» (جيو)، ليلحق به بعد قرابة الشهر مسبار وكالة الفضاء الأوروبية «جوبيتير جانيميد أوربيتر» (جيغو)، ليتخذ المسباران مسارين متوازيين يصلا إلى عطارد بعد ست سنوات. ثم تتداخل بعد ذلك مساراتهما بشكل معقد، حيث يزور كل منهما عدة أقمار قبل بلوغ وجهته الأساسية.
وعندما يصل المسبار «جيو» أخيراً إلى مدار «يوروبا»، ستبدأ أجهزته بمعاينة ليس فقط سطح ذلك القمر، بل وأعماقه أيضاً. ولقد جاءت أول دلائل تشير إلى أن قشرة «يوروبا» ربما تخبئ محيطاً من الماء السائل من المركبتين الفضائيتين الشهيرتين «فوياجر1» و «فوياجر 2» اللتين شاهدتا سطحاً مستوياً تتخلله تشققات مميزة لدى مرورهما بجانبه في عام 1979.
ثم تأكدت تلك المشاهدة بعد ذلك في التسعينات من القرن المنصرم من قبل المركبة الفضائية الأميركية «جاليليو»، التي اكتشفت ان «يوروبا» يؤثر بشكل واضح على المجال المغنطيسي لكوكب عطارد، وهو ما يمكن تفسيره بوجود طبقة ناقلة للكهرباء تحت سطحه. ويرى معظم علماء الكواكب في ذلك دليلاً دامغاً على وجود بحر من الماء المالح تحت سطحه.
وسيقوم المسبار «جيو» بإجراء مسح مغناطيسي للقمر «يوروبا» حتى بتفاصيل أدق، كما سيقيس أيضاً شكل مجاله الجاذبي. بالجمع بين النتيجتين، سيتوصل العلماء إلى فهم أفضل لبنية القمر، خاصة سماكة قشرته الجليدية وعمق المحيط الواقع تحتها.
وسيتم تجهيز المسبار أيضاً برادار مخترق للجليد، قادر على رصد المحيط الواقع تحت قشرة القمر، في حال كانت سماكة القشرة في حدود بضعة كيلومترات فقط. وفي كل الأحوال، سوف يكشف «جيو» عن تفاصيل جديدة بشأن البنية الداخلية للقشرة نفسها، كما يقول بوب بابالاردو، أحد أعضاء فريق ناسا في مختبر الدفع النفاث في باسادينا بولاية كاليفورنيا.
لكن هل من المحتمل وجود كائنات حية هناك في أعماق تلك المياه؟ إذا كانت هناك كائنات حية، فمن المؤكد أنها لا تحصل على تغذيتها من أشعة الشمس، كما تفعل معظم أشكال الحياة هنا على الأرض. وبدلاً من ذلك، فإنها قد تتغذى على سلفيد الهيدروجين أو الميثان المتفجر من الشقوق السحيقة في قاع البحر، كما تفعل بعض المخلوقات في محيطاتنا.
ويقول علماء البيولوجيا الفلكية انه من غير المستبعد حتى ان يكتشف «جيو» دلائل مباشرة على وجود الحياة. فمن المحتمل وجود صدوع عميقة في قشرة «يوروبا»، ناشئة نتيجة لتأثير جاذبية عطارد، تتسرب منها كميات ضئيلة من مياه المحيط السفلي إلى السطح. وبإمكان «جيو» جمع عينات من هذا السائل وتحليل جزيئاتها.
ويقول عالم الكواكب براد دالتون «إذا وجدنا كربوهيدرات، سيكون ذلك اكتشافاً مثيراً. أما إذا وجدنا سلاسل ببتيدية أو حتى بروتينات، فستكون تلك بداية ثورة حقيقية في العلوم الفضائية».
علي محمد
