رجل طبعت والدته الأثر الأكبر في حياته، فرغم مرضها الأليم لم تكن لتبخل على السائل وتنهره، فتعلم منها معنى العطاء دون مقابل.
ورغم أنه ولد لعائلة ميسورة الحال، إلا أنه لم ينس جيوش الفقراء في بلاده بنغلاديش وأحزمة الفقر التي تخنق مدنها. نجح المصرفي محمد يونس في أن يكون مثالاً يحتذى في زمنٍ لا يعترف بالمعوزين ويقيم البشر على قدر أموالهم وليس على قدر العزيمة.
وعليه، لم يكن غريباً أن يحصل يونس على جائزة نوبل للسلام العام 2006 بالمشاركة مع مصرف «غرامين» الذي أسسه لمساهمتهما في التنمية الاقتصادية من القاعدة وليس من القمة كما جرت العادة. راودت يونس فكرة اعتبرها الكثير من رجال الاقتصاد ضرباً من الهذيان وهي أن من لا يملك المال يستحق الإقراض أيضاً.
فكان مصرف «غرامين» الذي يعتبر أول مؤسسة متخصصة بتمويل مشاريع الفقراء الصغيرة ليس على طريقة «روبن هود» المشهورة بل لربما بأسلوب «يونس هود» هذه المرة. وانتشر «غرامين» حول العالم وبات له أكثر من 2211 فرعاً في نحو 70370 ألف قرية في 58 بلداً ليغطي قرابة 5,6 ملايين محتاج يستفيدون من خدماته.
قال إن قرضه الأول لم يتعد ال27 دولاراً أميركياً منحه من جيبه الخاص لنساء قريةٍ بنغالية يعملن في حياكة السلال بعد أن صاح: «وجدتها!!» كما أرخميدس، ليكتشف أن بإمكان النسوة أن يعدن المال إليه في حال تم بيع البضاعة، وبالتالي لا ضرر من إقراض الفقراء البتة.
لم تكن حياته العائلية ناجحة بقدر تلك المهنية، فانهار زواجه الأول في شهور وغادرت ابنته مع والدتها الروسية إلى الولايات المتحدة، في حين توفي خمسة من أشقائه في مهدهم بسبب غياب الرعاية الصحية المناسبة في بنغلاديش.
حاول يونس استثمار الزخم العالمي الذي حصل عليه والشعبية الجارفة التي نالها في بلاده لدخول معترك السياسة بدلاً من استثمارها كالعادة في المصارف، لكنه سرعان ما تراجع ليشهر إفلاسه السياسي طائعاً بعد أن استدرك بفطنة رجل المال أن حساب المصرف قد لا ينطبق على بيدر الحكم. اختارته إحدى المجلات الأميركية المرموقة مؤخراً كأحد أهم 100 شخصية يتوجب على العالم الإنصات إليها خاصةً في خضم الأزمة المالية العالمية التي تضرر منها فقراء البسيطة وطبقتها المتوسطة.
تفوق هذا البنغالي الطموح على أهم الشخصيات العالمية ونجوم السينما في عدد الجوائز وشهادات التقدير التي حصل عليها بما يصل إلى أكثر من 100 جائزة، فضلاً عن عضويته في لجنة «حكماء العالم» التي تضم في صفوفها شخصياتٍ فاعلة كنيلسون مانديلا وجيمي كارتر وديزموند توتو. هطلت على يونس العديد من العروض للتدريس والإقامة في بلدان العالم الأول الغنية، لكنه فضل البقاء في أرض الفقر بعد أن تزوج مجدداً لكي يكون محاطاً بأولئك الذين كافح على الدوام من أجلهم.
رؤوف بكر
