أطل من خلف باب المقهى الزجاجي حاملاً بيده كوب قهوته المفضلة، ليبحث بين الطاولات المزدحمة عن واحدة خالية ليمارس شغفه بشرب القهوة، وما أن استقر فيها حتى تبعته مجموعة من الفتيات اللواتي اجتمعن على طاولة واحدة ليسود الصمت بينهن، التفت إليهن ليكتشف سبب ذلك الصمت ليجد أن كل واحدة منهن وقد انشغلت عن الأخرى بهاتفها المتحرك الذي تميز بألوان «أنوثية» مختلفة، لم يعر الموضوع اهتماما كبيرا نظرا لأن اللعب بالهاتف المتحرك أصبح أمرا عاديا يمارسه الجميع، وانصرف هو ليبحر في عالمه الخاص.
لم تدم جلسته طويلا، حيث لملم نفسه ليهم بالخروج نحو أروقة المركز بغية التسوق، لم تلفت واجهات المحلات البراقة نظره بقدر ما لفته منظر مجموعات الشباب الذين صادفهم في أروقة المركز، حيث بدا كل واحد منهم مشغولا بنفسه مطأطأ الرأس لا يرى أمامه ولا يلتفت إلى الطريق، لدرجة أن اثنين منهم اصطدما ببعض البعض نتيجة لذلك، وهو ما جعله ينظر إليهم مستغربا.
لم يفهم في البداية طبيعة هذا الجهاز، وقد أخذه الفضول للاتصال بأحد أصدقائه ممن يتابعون جديد التكنولوجيا، ليسأله عن هذا الجهاز، ليفاجأ برده «أنت ما عندك بلاك بيري»، في تلك اللحظة لم يستطع أن يخفي خجله، حيث ظن نفسه انه أصبح من المتخلفين جدا في عالم التكنولوجيا، ولم يكن منه إلا أن قال لصديقه «للأسف ما عندي واحد» وهو ما جعله مثار سخرية بين أصدقائه الذين أصبحوا يعانون من إدمان البلاك بيري الذي أجبرهم على العيش في أفلاك غير واقعية، حيث خلق لهم عوالم خاصة لا أحد يستطيع اقتحامها إلا من كان لديه «بلاك بيري». لقد أثار فيه سؤال صديقه أسئلة عديدة حول عقدة التكنولوجيا الجديدة وأثارت فضوله حيث أصبح يراقب كل من يراه ليعرف إن كان من أصحاب البلاك بيري أم لا.
في اليوم التالي، وبينما يقوم بفحصه المعتاد لبريده الالكتروني، فاجأه أحد أصدقائه برسالة جميلة مفادها: «إذا رأيت الناس يوما تمشي مطأطئة الرأس فلا تحسبن ذلك تواضعاً منهم، إنما هو بلاك بيري»، وقد أرفق صديقه في الرسالة صورة مضحكة تبين حقيقة هذا الواقع.
غسان خروب