ليست ببعيدة عنه، تطل بحنو متمعن كمن يلاحظ مراحل الانجاز بإخلاص. تنظر نحوه بشموخ غامر لا تشوبه غيرة، باسقة هي تطاول السماء منذ الأزل، كما لو أنها تمتثل للحظة.. متسائلة عمن الأسبق.. هي أم هو.. وتدرك الإجابة، لكنه غرور الأزلية. وهو شامخا يتعملق بلا منازع ولا منافس، وهي تكاد تنحني مخلية له المساحة والمجال والفضاء بطيب خاطر، بعدما تكاثفت حولها أغبرة الإنشاء وعلت غصونها الباسلة. لكنها باقية ما بقي الإنسان وما بقي عطاؤه وابتكاره في الانجاز.

نخلة وبرج.. وتدان عملاقان، سامقان في العلا يرتفعان في الفضاء، ولا يكدر صفو العلاقة بينهما سوى بعض معدات تتراقص تارة وتهدر تارات في اشتغال يواصل ساعات النهار بالليل، ليفسح للنظر فرصة قريبة للاقتناء.

هل تبدو مسالمة أم مستسلمة لمرأى عملاق عصري من صنع بشري وابتكار آدمي يجاورها؟ لا تبدو مغتاظة ولا تبدو مهزومة، ما زال عنفوانها يشع على الكوكب منفردة كانت أم مجتمعة ضمن غابة من النخيل، تزدان بها واحات تتنافس فيها أنواع مختلفة من هذه الشجرة المبجلة المباركة. أما هو فيتعملق بتواضع بجوارها، يرنو إليها على البعد من علو يستمد منها طاقة الصعود قائلا..

لولاك ما كنت أيتها العملاقة بالصبر والجلد والعطاء، تماما كما هم أهلك، أولئك المغرمون برحيق رطبك المقدس، وتمورك المدبسة، أهلك الأوفياء، مازالوا يحتفون ببشائرك، وينتقون أجود فسائلك. أيتها العملاقة المقبلة من التاريخ متجاوزة العصور اطمئني، فلن ينازعك في البقاء والديمومة شيء، فما زلت أنت الأصل ونحن في ركبك نستلهم منك الجمال والصعود والصمود.

فاطمة محمد الهديدي