كان ولا يزال كورنيش بحيرة خالد بالشارقة مقصد العائلات والشباب من جميع الجنسيات للاستمتاع بالطبيعة الخلابة التي تستغرق الحاضرين هواة التأمل في المياه الزرقاء من أمثالي، وأذكر منذ 13 عاماً عندما وفدت إلى أرض الدولة لأول مرة، اصطحبني أحد قدامى المقيمين في الشارقة إلى كورنيش البحيرة، ووصف المكان ونحن في السيارة قبل الوصول إلى هناك بأنه (أجمل كورنيش في الدنيا).
وصلنا فوجدته لم يبالغ، المكان في غاية الهدوء والشاعرية، الطيور تحيط بك أينما ذهبت، الحشائش تكاد تتلألأ لفرط نظافتها، تتحرك داخلك ملكة الإبداع وتتغير أحاسيسك إلى الرقة والنعومة، وتتولد لديك رغبة عارمة في رسم لوحة للطبيعة أو قرض الشعر أو الغناء أو غير ذلك مما تنتجه الحواس في غمرة متعتها.
وأدمنت الكورنيش طيلة إقامتي في الشارقة، لم أستطع النوم أحياناً إذا منعني أي مانع من زيارته يومياً.. ربطتني صداقات بغيري من عشاق الكورنيش الذين يحضرون لزيارته بشكل يومي مثلي، حتى أبلغني مالك البناية بارتفاع أسعار الإيجارات ولم أجد مفراً من الانتقال إلى عجمان هرباً من جحيم الأسعار، ومرت الأيام والشهور والسنوات وكورنيش البحيرة لا يفارق خيالي، أنتظر بفارغ الصبر يوماً تخف عني مسؤوليات العمل حتى أعيد الذكريات الجميلة.
وحانت اللحظة عندما اقترحت زوجتي استعادة أيام الكورنيش، وكان يوم جمعة.. وصلنا إلى كورنيش البحيرة الحديث الذي لا يمت بصلة للكورنيش القديم، وكما تتبدل الأحوال لأن التبدل هو سنة كونية لا مفر منها، تبدل حال كورنيش بحيرة خالد وتحول إلى مسرح للمسابقات الشبابية بين قائدي الدراجات النارية صغيرة الحجم دون مراعاة وجود أطفال يلهون باعتبار توافر عنصر الأمان..
واكتشفت أن هناك من يقوم بتأجير هذه الدراجات بصورة رسمية بالقرب من كورنيش القصباء، وأصوات هذه الدراجات بالطبع طردت الطيور الوديعة، وحولت الهدوء إلى كابوس والشاعرية على توتر وقلق.. أما المخلفات الورقية والبلاستيكية ومخلفات الأطعمة فكانت تتوافر على استحياء من مكان لآخر، سواء في المياه أو على الرصيف أو على الحشائش.. أما معاكسات المراهقين للفتيات فكانت يندى لها كل جبين!
أيضاً أساء راكبو الدراجات الهوائية بأحجام مختلفة استخدام دراجاتهم على الرصيف، وانتشر الباعة الجائلون على دراجاتهم بمكر ودهاء، فهم يقتربون منك ويهمسون «أتريد مثلجات؟ مياه؟ محارم ورقية؟ سجائر؟ كارت تليفون؟...الخ».. الأغرب أن فريقين تباريا في كرة القدم مباراة عنيفة، وهم شباب أقلهم سناً في العشرين، وعندما طاحت الكرة وقفزت إلى أغراض الطعام التي تخص عائلة تفترش الحشائش، قام رب هذه العائلة برد الكرة إليهم بروح من التسامح تغلفها ابتسامة ودودة وعريضة!
ولأنني لم أصدق ما أرى، استأذنت زوجتي في مراجعة لوحة الإرشادات الموجودة على الرصيف والتي تحدد شروط استخدام المنتزه، طالعتها بسرعة لأجد التعليمات كما هي لم تتغير.. الدراجات بأنواعها ممنوعة، لعب الكرة ممنوع، إلقاء المخلفات ممنوع..وهكذا.
أيمن حجازي