لا شيء سواها يستحق العمر، ولا شيء سواها يستحق البكور. فهي مصدر الحياة وهي مورد البقاء. وهذان المزارعان، أدركا عظمة هذه الهبة، فحرصا على هذا الكيان الأخضر النضر.

لم تعرقلهما سنوات الجد الطويلة، ولا شروخ الزمن على الوجوه القديمة، بيديهما.. وبيديهما وحدهما يبذران شجيرات الغد، سادران في تأمل حلم الحصاد المقبل، متكلان على مانح الحياة الله عز وجل ثم على سواعدهما المجردة وطرائق الحرث البدائية. لكنها الأرض لا تخلف وعدها ولا تبخل بعطائها طالما دبت على ثراها قدم ساعية في طلب الرزق منها بطريقة بدائية كانت أو عصرية آلية.

هي الأرض وهي الخصوبة المترامية في السهول المحمرة وعلى سفوح الجبال المغمورة بالغيث.

ليس سواها يستحق الذوبان حتى التلاشي في خدمتها وصون تربتها ومخزون باطنها. إنها الأرض المباركة تلك التي ما برحت فاتحة أجواءها على اتساع أطرافها المطروحة والمطروقة في المسطحات، وتلك المغلقة بين المرتفعات الشاهقة تشير لك أيها الإنسان أن تقبل بثقة وعزم، فلا شيء عسير طالما الغيث والبذرة وسواعد الحصاد وافرة.

يا لها من هبة ويا لها من أمانة، أمعن فيها النظر وهي غابة من البساتين الواعدة بالثمر. وتأمل.. تأمل الأعالي حين تعمد أشعة الشمس فتصهر حتى المعادن وتقهر صلابتها، لكنك أيها الإنسان تهزمها وأنت تضحك على الصهر فقط لأنك تحت شجرة، محظوظ أيها الإنسان إذ وجدت ظلا في فيء شجرة، فكيف وهي ابنة الأرض، والأرض أمك الثرية.

تأملهما وقد أدركا الحكمة، مصرّين على المضي في الغرس والحرث، يبديان محبتهما لها وحدها بعيدا عن كل ما عداها، بينما هي تشملهما من كل الجهات بالحياة.

فكيف يمكن للمرء أن يسيء لها؟ كيف يمكنه أن يتخلى عن طينها؟ كيف يمكنه أن يجتث كل هذا النماء الحي؟ فيتركه بوارا، ويدفع بالبشرية لتغوص في براثن الغبار والتصحر والموات.

إنها الأرض المعطاءة، إنها الأم مفتاح الحياة إن أكرمت، وحقنة موت إن أهملت، ونحن فقط نحدد منها ما نريد. نحن من يجلها فتزهر وتمنح، أو نهينها فتغضب براكين وأعاصير. والأمانة تدعو أن نغرس فسيلة في الأرض ولو أدركنا الموت.

(ف.ه)