من الرعيل المؤسس، عاش أيام الكدح بكل تفاصيلها وعاش الخير بعد قيام الاتحاد، ولكن ذاكرته المتقدة تجعله على اتصال بالماضي الذي لا ينفك عن الحديث فيه، فهو ابن الأمس واليوم والغد الذي يراه بالجيل الشاب وبالمسيرة الاتحادية.
هو كتلة من المشاعر يحمل هماً عاماً وريشة ومحبرة لنقل وتصوير هذا الهم ونقله إلى الآخرين بعبرته وتجربته، فيضحك أحدهم هنا ويثير الهلع هناك، يعلم ويهذب سلوك هذا هنا، ويثير غيظ الآخر هناك.. يبكي.. يحزن.. يدخل الأمل إلى النفوس.. يحرض الناس على الثورة.. يدلهم على السعادة وينقلهم إلى عوالم من الخيال تملؤه المتعة والفائدة والسرور دون أن يتحركوا قيد أنملة من أماكنهم فتجدهم وهم ممددون على الشاطئ أو في الحافلة أو في أسرّتهم يذرفون الدموع أو يبتسمون ويضحكون وكأنهم في صحبة محب.
ويتلمسون بعضاً من آمالهم وأمانيهم في تجارب مبدعيهم فيغفون على وقع الكلمات الساحرة ليستيقظوا وقد خبا صوت الشر في نفوسهم وأصبحوا أكثر دعة وتفهما ومحبة للآخرين. هذا هو اختصار لحالة ضيفنا الذي يعتبر أنموذج العمل والإبداع، أنموذج حامل الجميل، أنموذج المحب الحازم والحزم المحبب، إنه عبدالله علي يوسف النويس، مواليد 1946، إمارة أبوظبي، وهاهو يحدثنا بالآتي:
رحلة البحث عن الذات
كثير من أبناء أبوظبي هاجروا طلباً للرزق وللعلم، تخرجنا وعدنا مرة أخرى ورحلنا لقطر ودرسنا الجامعة بالقاهرة ثم تابعت دراستي العليا وحصلت على درجة الدكتوراه.
يتراءى للإنسان إما أن يكون أو لايكون، القرار أن يكون وليست هناك طريقة سوى العلم.. وهو نوع من السلاح والتحدي لأن الوقت في تلك الأيام كان خاليا من كل معنى، الخليج بلا هوية أو نجاح، وبدون أي آثار إيجابية للإنسان، فكل الشباب بعمري هدفهم أن تكون هذه المنطقة وكينونتها مستمدة من العلم.
الأسرة أساس البنيان
والدي يحفزني ووالدتي كذلك لأنها تقرأ وتكتب ولها دواوين في الشعر وأنا كنت عاشقا للعلم والمعرفة ودراستي كلها أنهيتها بعشر سنوات ونصف السنة فقط من الابتدائي إلى الثانوية والجامعة، اختصرت كل مراحل الدراسة حتى انهي العبء الذي كان أمامي. والداي كانا كغيرهما الحضن الذي رعاني، ودائما يأخذ الإنسان من البشر الصفات الجميلة، أخذنا من الوالد كل الصفات الطيبة والتي بنت شخصيتي، ومن والدتي حب البحث والقراءة في بطون الكتب.
وهي لذة لا تقاس، والى وقت حديثي «اي قبل ثلاث سنوات من الآن» قبل رمضان أرسلت والدتي لي كتبا، جدي علمني وعلمها جزءاً من علم الفلك واهتممنا بالكتب الفلكية التي أثرت فينا وعملت لي أرضية وسهلت عليّ في الكثير من الدراسات من الابتدائي إلى الجامعة، بالإضافة لعشق اللغة العربية بجزالتها.. متعتي القراءة وتحصيل العلوم المختلفة التي كانت بذلك العصر ميسرة والثقافة ينظر لها بدلال، واستفدنا من هذا التدليل كثيراً، وجلبت من الكتب الكثير وبشكل رخيص مادياً، طبعاً كانت هذه مرحلة تأسيس لشخصياتنا لأن تأثيرها ممتد إلى اليوم.
لسنا أثرياء
لا نقول إننا أثرياء في ذلك الوقت لكن عدم الحاجة والاكتفاء بالموجود هو الثراء، عائلتي لم تكن ثرية ولم تكن فقيرة وتستطيع سد حاجاتها وإكرام ضيوفها. وإكرام الضيف علامة فارقة بين أسرة وأخرى.
رحلة التعب
بعد تخرجي من الجامعة عينني المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بالإعلام وأصبحت مدير الإعلام، وبدأت أنا وأخي العزيز الشيخ أحمد بن حامد في دائرة الإعلام ثم الوزارة وقمنا ببنائها على احدث الطرق في كل مؤسساتها وأقسامها المتنوعة وخلال فترة بسيطة لا تزيد على شهور أصبحت كل الأقسام جاهزة من تلفزيون وصحافة وعلاقات عامة داخلية ودولية .
وأصبحت دائرة الإعلام تمثل الوجه الحضاري والصحافي لأبوظبي طبعاً، هذا قبل الاتحاد والذي سهل الموضوع دراستي للإعلام فهذا يسر الأمر عليّ، ورئيسي المباشر الشيخ أحمد بن حامد كان متفهماً، وكل المتطلبات والطموحات وضعناها على الورق وافق عليها مادياً ومعنوياً.
أبوظبي تنفتح على العالم باكراً
استجلبنا بعثات للتنقيب على آثار أبوظبي في السبعينات مبكراً من الدنمارك، وأصبح عندنا علماء في مواقع الآثار المتعددة في العين ونقلت آثارنا من أبوظبي إلى الدنمارك في المتحف التاريخي هناك لمعالجتها وتدقيق سنواتها وتأريخ زمانها وإعادتها إلى أبوظبي ووضعها في متحف العين، اهتم المغفور له الشيخ زايد ببعث الناحية الثقافية أو الفكرية، الكتاب، الصحافة السياسية، الإذاعة، الآثار.. انتشرت الفنادق والاستراحات في أبوظبي والعين في أقصى الصحراء وكانت واحات تنبثق من دائرة السياحة ونجعل من السياحة الداخلية شيئا مطروقا، وتعرف المواطن على الوطن وهذه من بواكير دائرة الإعلام في أنها نجحت وتفوقت على نفسها في ذلك الوقت المبكر.
التلفزيون وبداية المسيرة
بدأت به شركة إنجليزية، ثم استلمناه كدائرة للإعلام، وأصبح من ضمن فعاليات وزارة الإعلام، بعدها بدأنا مرحلة التطوير، وأول من أدخل محطات التلفزة العملاقة هي وزارة الإعلام في أبوظبي لتصل إلى 120 كيلو واط، وكانت هذه مشكلة لعدم وجود «الستلايتات» والنزاع على أرقام المحطات على أشده.. ونحن أول من أدخلها ووضعنا واحدة كبيرة في أبوظبي وأخرى في العين على جبل حفيت وواحدة في أم القيوين وواحدة في الفريصة بالفجيرة، وأصبح التلفزيون يغطي الدولة من السلع حتى الفجيرة.
النحت في الصخر
تبدو الأمور الآن سهلة في ظل التطور، لكنها في ذلك الوقت لم تكن بالهينة.. وكي ننقل المعدات إلى جبل الفريصة في الفجيرة كنا نضع الأجهزة على دواب، وكانت معرضة نتيجة حملها الزائد إلى الموت والخطورة.
وكذلك على جبل حفيت حيث استأجرنا طائرة «شينوك هليكوبتر» بمليون درهم في ذلك الوقت لحمل الأجهزة وكانت نهاية هذه الطائرة حزينة جداً لأنه بعد أن ركبنا المحطة وظهرنا في البث ورجعت الطائرة لكي تعاد إلى إيطاليا اصطدمت بعامود إنارة فاحترقت الطائرة بمن فيها، «11» شخصاً، فلم تكن الأمور سهلة كما تصور البعض والذي بني في تلك المرحلة تطلب جهداً خارقاً، ولكن تساهيل الله يسرت الأمور.
مطاردة مع الوقت
كان بيننا وبين الوقت مطاردة، هو يطاردنا ونحن بالمقابل لم نكن نتضايق إلا من الوقت، وما أنجز بالدولة ككل من الحضارة الموفقة والثابتة يعتز ويفتخر بها كل إماراتي وعربي لأنها بلدنا وبلده، ومنذ قيام الاتحاد أصبحنا اتحاديين .
ولم يعد عندنا هم محلي، أصبح همنا اتحادياً توسع على اتساع رقعة الوطن وأصبح التبشير للدولة الاتحادية هو الدستور الإعلامي والخطوة تلو الخطوة، لذلك كانت محطات التلفزة العملاقة من الفجيرة مروراً برأس الخيمة مروراً بأبوظبي فالعين ولم يعد عندنا رقعة محلية لذلك أصبحت وزارة الإعلام وزارة اتحادية تؤمن بالفكر الاتحادي وتبشر به وترعى وتحصد حصاده الطيب لأننا كنا قارئين وأصبحنا مقرئين..
كنا نستورد الصحف وأصبحنا مصدرين، كنا نستلم بثاً تلفزيونياً ضعيفاً يعتمد على رضا ودلال الرطوبة حتى توصل لنا الإشارة أصبحنا نحن نصدر أكثر من عشر إشارات تلفزيونية، فكان لزاماً لهذا الرخاء الإعلامي أن يرتبط بعماد المسؤولية .
ولا بد أن يرتبط بأن نصدر الأحسن والأجود، وأصبح الدور السياسي والسيادي في العالم العربي للشيخ زايد وأعضاء المجلس الأعلى يحتاج لمساندة إعلامية ليقدمه التقديم الصحيح والذي يناسب عظمة إنجازه لأنه هو كان صحيحاً، كان لا بد من وجود جهاز إعلامي على قدر المسؤولية حتى يقدم هذا الفكر الاتحادي، لأن الفكر الاتحادي أصلاً كان مرفوضاً في الأدبيات العربية، وهو ليس مرفوض قولاً وإنما مرفوض فعلاً.
أنماط الإدارة
كان عندي نمط من أنماط الإدارة، أسميه الحزم المحب أو المحب الحازم، كانت علاقتنا مع بعض أسرية وإنسانية، ولكن كان فيها حزم شديد عند تخطي أي خطوة نحو الخطوط الحمراء، فورا يأتي الحزم للمسك بالمتخطي ويعيده إلى داخل المربع، وهذا الموضوع أو هذا النمط كان ضروريا ومهما لأنه لم يكن عندنا وقت أو متسع للأخطاء. فكان كل همنا أن نختصر من الأخطاء ونزيد من مساحة الصح، وهذا يحتاج جهداً وتوافقاً أو ما يطلقون عليه الـ «هارموني» بين الفريق، وهذا يؤدي إلى ضرورة حسن اختيار العنصر الإعلامي وهذا ما كنا نقوم به وكنا نجتهد كي نصل إليه.
الإعلامي المواطن
العنصر الإعلامي المحلي كان له خطط لتنميته وتقديمه إلى الحديقة الإعلامية لأن الإعلام مهنة صعبة، مهنة تصادر الحرية وتصادر التفرد الشخصي في حياته وأسرته، كان العمل يواصل بعضه بعضاً ليل نهار، العمل في الإعلام صادر لنا حريتنا الأسرية والشخصية والوقت الخاص. لكن بعض العناصر كانت مدفوعة بهذا الحب والعشق للإعلام وكانت تفضل هذه المهنة على أي مهنة أخرى.
شخصية
الشيخ زايد شخصية حوارية أصلاً، وهدوؤه يميزه عن باقي الرؤساء، وأدب الحوار أهم صفاته، لم أره يقاطع يوماً إنساناً يتكلم، بل يسمع إليه بهدوء، وبنفس الوقت إذا طلعت فكرة يطنب فيها ويعالجها من كل الجوانب حتى لا يحدث سوء فهم
تأريخ
الإمارات أنعم الله عليها بنعم لم ينعم بها على أحد، قيادة عظيمة، شعب أصيل، أمن وأمان، التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الناجحة في التاريخ الحديث، رخاء مادي ونفسي قل مثيله، وهذا يحتاج تأريخاً
مواقف
الفيلسوف والإعلامي
لكل شخص رغبة في دراسة تخصص معين، وكنتُ مغرماً منذ سني دراستي الأولى باتجاهين هما الفلسفة والإعلام، وبنظري فإن الفلسفة تقوّم المفهوم العقلي وتقوي اللغة أيضاً، بحيث يساوي اللفظ ـ المعنى، فالفلسفة تساعد في الموازنة بين المعاني والألفاظ، وأعتبرها أداة الضبط والربط في اللغة.
أصبحنا عالميين
المفاصل أو المحاور كثيرة، منها النقلة العلمية من الإعلام الطفولي أو النامي إلى الإعلام المتمكن. أصبحت أجهزة الإعلام الإماراتية أجهزة مرموقة وينظر لها نظرة انبهارية.. لماذا؟ لأنها كانت ومازالت تعتمد على المصداقية في أعلى درجاتها، وتعتمد على المؤاخاة وعدم التفرقة.
الإعلام يحتاج بذخاً
الإعلام الجيد لا يستوي مع بخل وفقر، إذا أردت إعلاماً جيداً لابد من أن تصرف عليه وتخدمه دون انتظار للعائد، سواء من الناحية الرسمية أو الناحية الخاصة، ولابد من ناحية الإنتاج أن تنتقل إلى مرحلة «السوبر» لأنه إلى الآن إنتاجنا ضعيف وفي كل المحطات العربية، ولا يزال تقليدياً و«محلك سر» كما يقال، وغير مقنع ويدور في نفس الحلقة المفرغة التي لا باب ولا منفذ لها.
أعدها للنشر: عبد المنعم الشديدي
