الأمان النووي بعد البرادعي .. أصبح «أمانة» بين يدي « أمانو». هذا الدبلوماسي الياباني الهاديء خفيض الصوت.. يتولى منذ الأول من ديسمبر الجاري منصب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلفا للمصري المحنك الذي شغل المنصب لمدة 12 عاما، ونال خلاله جائزة نوبل للسلام.

لم يصل يوكيا أمانو الخبير في قضايا نزع السلاح إلى مقعد البرادعي إلا بشق الأنفس. فاز به بعد سباق انتخابي طويل بهامش أصوات طفيف. المتابعون قالوا إنه لولا دعم الأصوات الغربية، ماكان قد نال المنصب. الدول النامية التي تمثل نحو نصف مجلس الوكالة الذرية- ومنها إيران- صنفته على أنه يميل بدرجة كبيرة إلى ناد للقوى النووية الكبرى تقوده الولايات المتحدة. الدول النامية فضلت عليه الجنوب إفريقي عبد الصمد مينتي. الغرب الذي يؤيده أمانو يرى فيه عونا لهم على عدم تسييس الوكالة بعد خروج البرادعي الذي لم يرضهم على طول الخط. اعتبروه أنه في بعض الاوقات تجاوز حدود منصبه ونطاق تفويضه. فكثيرا ما اعترض البرادعي على فرض عقوبات على ايران واستهجن التهديدات بالتدخل العسكري ضدها. وظل يبدي هذا الموقف بأسلوب دبلوماسي قائلا وموجها تصريحاته للأميركيين: ان الدبلوماسية التي تتحلى بالصبر هي الطريق الوحيدة للوصول إلى حل طويل الأمد.

أمانو .. سيختلف حتما عن البرادعي في معالجة القضايا النووية، وان كان مثله دارسا للقانون. سيسعى بالتأكيد إلى تجميل صورته أمام النوويين الضعفاء أي الدول النامية التي لم تفضله للمنصب. سيحاول ألا يبدو أمامهم لسان حال واشنطن والغرب. ولأن وكالات الأنباء قالت عنه انه يفتقد للاحترام والعلاقة الودية التي كان يتمتع بهما البرادعي مع الإيرانيين.. سيحاول كما يقول المقربون منه إقناعهم بأنه مهتم أيضا بمصالحهم ومصالح الدول النامية.

بالطبع يعد البرنامج النووي الإيراني أكبر تحد سيواجه أمانو. وهو مطالب كما يقول ديفيد أولبرايت رئيس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن والذي يتعقب الانتشار النووي .. أن يعيد التركيز على تعزيز ضمانات نظام التفتيش الدولي.

ومن المؤكد أنه سيسعى إلى تجنب المصاعب التي واجهت البرادعي، مستفيدا في الوقت نفسه من القواعد التي أراد أن يضعها للوكالة وسيروج لها. فعلى سبيل المثال، طالب البرادعي بإنشاء بنك متعدد الاطراف لليورانيوم منخفض التخصيب برعاية الوكالة الدولية. وأمام أمانو ملف يضم طلبات 60 دولة بعضها في الشرق الأوسط، تريد اقامة برامج طاقة نووية للاغراض السلمية..

وعليه أن يلبي طلباتها مادامت مدنية وسلمية. وقد تعهد بالفعل ببحث كل القضايا المدرجة على جدول أعمال الوكالة وعلى رأسها مجال الطاقة وضمان عدم إساءة استخدام التكنولوجيا النووية لتطوير أسلحة نووية. من التحديات الأخرى التي تواجه أمانو ، تعزيز مكانة الوكالة التي ضعفت كما قال البرادعي لضعف مواردها وميزانيتها.

وسيكون على المدير الجديد إقناع الدول الأعضاء في الوكالة بزيادة مساهماتها المالية مع التوسع المستمر للطاقة النووية حول العالم وما يصاحبها من مخاطر انتشار السلاح النووي. يقول انه سيحاول أن يكون مديرا عاما متجردا موثوقا به ومحترفا. ويرى أن الوضع المحيط بالوكالة تشتد به العواصف حاليا.. ويقول «نواجه عددا كبيرا من القضايا والتحديات الصعبة بيد أنني أود بذل قصارى جهدي».

ما يهمنا في أمر أمانو مقولته التي أشار فيها بعد انتخابه إلى أنه سيسعى لجعل الشرق الأوسط خاليا من السلاح النووي.

فهل ياترى سيدرك أن هناك خطرا في قلب المنطقة موطنه الكيان الإسرائيلي الذي لم ينكر ملكيته لأسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها السلاح النووي؟

حسن صابر