اعتادت شيماء في كل صباح انتظار حافلة مدرستها ذات اللون الأصفر الفاقع، حاملة حقيبتها المدرسية وتقف على الرصيف أمام باب الحافلة الخلفي الذي أعد خصيصا لاستخدام ذوي الاحتياجات الخاصة، على الباب ذاته تقف زميلتها الصغيرة لتساعدها في الصعود وتأخذ بيدها إلى كرسيها وتجلس بجانبها بانتظار الوصول إلى المدرسة الواقعة على أطراف المدينة، وما أن تصل الحافلة حتى تستعد زميلة شيماء لتعيد الكرة مرة أخرى وتمد يدها لمساعدة زميلتها التي لديها ضعف شديد في البصر، وتأخذها معها إلى صفهم الدراسي.

ورغم ما واجهته شيماء من صعوبة في يومها الدراسي الأول، إلا أنها أصبحت معتادة على ذلك، ومع انتهاء اليوم الدراسي تبدأ شيماء بانتظار اليوم التالي للذهاب إلى مدرستها، حيث أصبحت بمثابة بيتها الثاني ففيها أنشأت علاقات صغيرة بعد أن كانت تعيش حبيسة الجدران والبصر.هذه ليست قصة خيالية إنما هو واقع يعيشه بعض الطلبة المعاقين الذين يعيشون تجربة دمجهم في المدارس الحكومية، والتي بدأت بوادرها بولادة مبادرة إدارة التربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم الهادفة لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس على غرار ما يحدث في معظم دول العالم إيمانا بأن لكل إنسان حتى وان كان معاقا الحق في التعليم واثبات وجودة ليكون فردا ناشطا ومؤثرا في المجتمع.

تجربة الدمج هذه لم تطبق على كافة مدارس الدولة، إنما على عشرة مدارس فقط في الإمارات الشمالية، وذلك بغية التعرف على ايجابيات وسلبيات الدمج، بالإضافة إلى حجم التكلفة المادية لهذه العملية نظرا للمتطلبات التي يجب توفيرها للمعاق في المدرسة أو المكان الذي يوجد فيه. إحياء عملية الدمج تقول نورة إبراهيم المري، مدير إدارة التربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم: «عملية دمج الطلبة المعاقين في المدارس ليست حديثة الولادة في الإمارات، إنما بدأت مع إنشاء المدارس الحكومية، حيث كان الجميع يضعون أبناءهم في المدارس سواء كانوا معاقين أو أسوياء، ولكن مع مرور الوقت اكتشف أن هناك فئات يجب أن تتلقى الخدمات في مراكز تأهيلية، ولهذا السبب أنشأت مراكز خاصة للمعاقين تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وتم تحويل الفئات التي لا يمكن دمجها لهذه المراكز».

وتضيف: «ما نقوم به حاليا هو عملية إعادة تخطيط منظمة لنشر ثقافة الدمج وتطبيقها في مدارس الدولة من خلال وضع خطة يتم تنفيذها على مدار 3-4 سنوات، بحيث يتم تطبيق هذا الدمج مستهدفاً مجموعة من المدارس في كافة المراحل ذكوراً وإناثاً، ويتم قبول عدة فئات من الإعاقات منها الإعاقات الحركية والبصرية بأنواعها (ضعف البصر وكف البصر) وصعوبات التعلم، وبعض انواع التوحد، والاضطرابات السلوكية، وضعف السمع».

وأضافت: «لقد جاءت عملية الدمج كخطوة أولى لتفعيل القانون الاتحادي رقم 29 لسنة 2006 في شأن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في الإمارات الذي يحرص في مجمل بنوده على توفير المساعدة القانونيّة للمعاق ومعاملته بطريقة إنسانية تراعي وضعه واحتياجاته وتأهيله للتكيف والاندماج في المجتمع وتوفير برامج التدريب المهني للمعاقين وتدريب أسرهم على أساليب التعامل معهم».

وتواصل: «هذا القانون يكفل حق الطالب في دخول أية مؤسسة تعليمية تربوية حكومية كانت أو خاصة دون أن تكون الإعاقة سبب لمنعه، ومن هنا جاءت خطوة الدمج التي بدأنا بوضع ملامحها في شهر يناير الماضي، وتطبيقها على روضتين للأطفال وثمانية مدارس من الحلقة الأولى ذكور وإناث في الإمارات الشمالية، والفكرة من تهيئة هذه المدارس حاليا، كانت كتجربة لدراسة ايجابيات وسلبيات الدمج، ولمعرفة المدى الزمني الذي نحتاجه لتأهيل المدرسين بالإضافة إلى التكلفة المادية لذلك».

لم يتم اختيار المدارس العشرة المخصصة للدمج عشوائيا إنما كان بناء على ترشيحات من إدارات المدارس لتؤكد رغبتهم في دمج الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة لديها، بالإضافة إلى توفر عناصر أخرى لإنجاح عملية الدمج منها وجود معلم للتربية الخاصة، و إمكانية توفر خدمات التربية الخاصة، إلى جانب تهيئة المبنى لاستقبال هذه الحالات من خلال إمكانية إجراء بعض التعديلات على المبنى كالمنحدرات ودورات المياه الخاصة للطلبة المعاقين حركياً.

استعدادات

وبلا شك أن عملية الدمج هذه تتطلب استعدادات خاصة، وحول ذلك قالت نوره: «لإنجاح التجربة قمنا في العام الماضي بعملية تأهيل للكادر التعليمي، حيث قمنا بتنفيذ برامج تدريبية توعوية استهدفت مدير المدرسة بالإضافة إلى معلمتين من كل مدرسة وكذلك تنفيذ ورش عمل مكثفة ومساقات دراسية في جامعة زايد لمعلمي وموجهي المواد في 10 مدارس بهدف تأهيلهم للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة.

وقد تلقينا ردود فعل ايجابية من قبل المتدربين حول الدمج وإمكانية تطبيقه، إلى جانب ذلك قمنا بتهيئة المدارس وتجهيزها بالمنحدرات ودورات المياه التي تساعد الطالب المعاق على الحركة في داخل المدرسة، كما قمنا بتوفير حافلة لكل مدرسة، بحيث يتمكن ذوي الاحتياجات الخاصة من الصعود إليها والنزول منها، وتزويد كافة المدارس بما تحتاجه من أجهزة خاصة للإعاقات البصرية والسمعية».

الدمج يزيد من ثقة الطالب المعاق بنفسه

للاطلاع على تجربة الدمج عن قرب زارت «البيان» مدرسة النخيلات في الشارقة والتي تعد واحدة من المدارس العشرة المخصصة للدمج في الإمارات الشمالية، وحول هذه التجربة قالت مديرة المدرسة، آسيا إسماعيل صفر: «موافقتنا على المشاركة في عملية الدمج جاءت انطلاقا من مسؤوليتنا الاجتماعية نحو المجتمع والدولة التي أعطتنا الكثير، فضلا أن هذه التجربة تكسبنا الكثير من الخبرة في التعامل مع فئة لم يسبق لنا التعامل معها وتحتاج منا إلى المساعدة في كل شيء، فضلا عن إنها تمنحنا الفرصة لإكساب الطلبة المعاقين الثقة والقدرة على التواصل مع الآخرين».

وتضيف: «قبل البدء بعملية الدمج قامت الوزارة بعمل محاضرات وورش عمل متخصصة في هذا الجانب، وقد حصلت من خلالها المدرسات على فكرة عامة حول التعامل مع هذه الفئة، إلى جانب ذلك قمنا بتوضيح الفكرة للطالبات أنفسهن الأمر الذي ساهم كثيرا في تسهيل عملية الدمج، والتي استقبلنا فيها طالبتين تعانيان من ضعف في البصر وواحدة تعاني من متلازمة داون».

وحول ردة فعل المعلمات قالت آسيا: «في البداية وجدن بعض الصعوبة في إتمام عملية الدمج ولكن مع مرور الوقت وعبر خضوعهن للدورات والمحاضرات أصبح الأمر عاديا بالنسبة لهن، بل وأصبح تقبلهن وتفاعلهن واضح مع طلبة هذه الفئة».

في المقابل قالت لطيفة محمد، مدرسة لغة عربية: «هذه هي المرة الأولى التي أقوم فيها بتدريس طلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، وكان لنا من قبل تهيئة عبر إخضاعنا لدورات ومحاضرات تبين لنا كيفية التعامل مع أبناء هذه الفئة، إلى جانب تواصلنا مع الوزارة، وعندما خضنا التجربة وجدنا أنها سهلة ويمكن التعامل معها بيسر، وبالنسبة لي كمدرسة لغة عربية أتواصل مع طالبات هذه الفئة بطريقة سماعية وقصصية، وهذا أحدث تجاوباً واضحاً بيننا».

أما حنان عبد الله، مدرسة مادة الاجتماعيات فقالت: «في البداية كنت خائفة من خوض هذه التجربة لحداثتها، ولكن اكتشفنا من خلال الدورات وورش العمل التي انضممنا لها في جمعية المكفوفين وجامعة زايد أن التعامل مع هذه الفئة سهلا»، وأضافت: اعتقد أن نجاحنا في هذه التجربة كان نتيجة لإيماننا بوجود طاقة وموهبة مكنونه بداخل الطالبات.

وان أخذنا بيد هؤلاء الطلبة سيخلق نوع من الثقة في أنفسهم وبالتالي يتمكنون من إقامة علاقات صداقة ومواجهة المستقبل، وقد شعرت منذ اليوم الأول لي معهم بأن هناك نوع من الخوف بداخل الطالبات المكفوفات وبمساعدة زميلاتي تمكنا من تخليصهن منه مع مرور الأيام، وفي البداية كان لديهن انطواء وخجل شديدين، ولكن بفضل الله تمكنا مع تعاون الطالبات من تحريرهن من ذلك، ليصبحن اليوم أكثر نشاطا وحبا للمدرسة».

تحديات دمج المعاقين في المدارس

قالت نورة إبراهيم المري، مدير إدارة التربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم: «أبرز التحديات التي تواجه تجربة الدمج تكمن في عدم تقبل المجتمع لوجود الطالب المعاق بين الطلبة غير المعاقين مع أن ذلك ممكن، ولا يؤثر سلبا على الطالب غير المعاق بل بالعكس يخلق لديه ثقافة جديدة وتغرس فيه مبادئ جميلة، وتزيد من ثقة الطالب المعاق بنفسه.

ورغم حملات التوعية التي قمنا بها على مستوى مدارس الدمج إلا انه ما زال هناك من يعارض ذلك، أما التحدي الأخر فهو عدم تعود المعلم نفسه على تدريس الطالب المعاق الذي يجب أن يسير وفق خطة تدريسية معينة لا تتطلب منه إنهاء المنهج، يتم تعديلها بناء على تقيمه السنوي (ضمن الخطة التربوية الفردية)، علما بان الطالب المعاق يرفع تلقائياً بدون رسوب بعد اجتياز أهداف الخطة التربوية الفردية، كما تم استصدار قرار إداري لتقليل نصاب معلم المادة إلى 18 حصة بدلا من 24 أسبوعيا في مدارس الدمج وفتح شعب جديدة وتعين كوارد جديدة بهدف تسهيل عملية الدمج وتقبل المعلمين للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، كما تم تخفيض عدد الطلبة في الصف الدراسي العادي إلى 20 طالبا في حال وجود طالبين من ذوي الاحتياجات الخاصة.

غسان خروب