اليمن.. الذي عرف في العقل والوجدان العربيين بالأرض السعيدة، يتعرض لخطر الانحسار الكبير للموارد المائية، ضمن قائمة طويلة أخرى من الأخطار والمتاعب.

ويقول الخبراء إن الإمطار الموسمية تقل كل عام عن سابقه، وإن الآبار تزداد جفافاً وعمقاً، وأن الشقوق قد بدأت تظهر في الأرض الظمأى، ووصل طول بعضها إلى عدة مئات من الأمتار.

ويقول محمد حمود عامر، وهو مزارع يمني فقد ثلث أشجار الخوخ التي كان يملكها خلال العامين الماضيين بفعل الجفاف: «إنهم يقولون لنا إن هذا يرجع إلى الانخفاض السريع لمنسوب المياه، وفي كل عام نضطر للحفر أعمق فأعمق وصولاً إلى الماء».

وعلى امتداد اليمن تختفي الموارد المائية التي تكفل الحياة لـ 24 مليون نسمة، هم أبناء اليمن اليوم، وهو خطر يمكن أن يكون قاتلاً على نحو يتجاوز كل الأخطار الأخرى التي تحدق باليمن.

وعلى الرغم من أن ندرة الماء هي ظاهرة تعم الشرق الأوسط بأسره، إلا أنها في اليمن تتخذ أبعاداً خطيرة، ويصعب إلى حد كبير التصدي لها بنجاح، حسبما يرى الخبراء. وتقوم الحكومة اليمنية، حسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» بإمداد بعض المناطق الحضري بالماء مرة كل 45 يوماً.

وفي غضون ذلك.. فإن سعر الماء في السوق اليمني قد تضاعف أربع مرات خلال السنوات الربع الماضية، الأمر الذي دفع الناس بصورة متزايدة إلى الحفر بطريقة غير مشروعة للوصول إلى الماء. وتنقل صحيفة «نيويورك تايمز» عن عبدالرحمن الإرياني وزير المياه والبيئة اليمني قوله: «إنه انهيار بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ونحن في طريقنا للوصول إلى وضع لا نعرف معه ما إذا كان التدخل الذي نقترحه سينقذ الموقف».

ويؤدي التغير المناخي إلى تفاقم الوضع بوتيرة متسارعة، الأمر الذي يؤدي إلى تعذر الاعتماد على الأمطار الموسمية وارتفاع درجات الحرارة في بعض المناطق، حسبما يؤكد جوشن رينجر خبير الموارد المائية الألماني الذي عمل مستشاراً لوزارة الماء والبيئة اليمنية على امتداد خمس سنوات.

ويقول الخبراء إن هذه الظاهرة، شأن العديد من الظواهر السلبية في الشرق الأوسط، تضرب جذورها في النمو السكاني السريع، حيث تضاعف عدد سكان أبناء اليمن أربع مرات خلال نصف قرن، ومن المتوقع أن يقفز عددهم إلى حوالي 60 مليون نسمة خلال السنوات الأربعين المقبلة.

وفي المناطق الريفية يمكن غالباً رؤية الناس وهم يشربون الماء من تجمعات راكدة للمياه تنذر بمخاطر صحية جمة، بل ويحدث هذا في العاصمة صنعاء، حيث يتجمع الفقراء للحصول على الماء في آبار شبه ناضبة مملوكة للقطاع الخاص، على حين يتاح للأغنياء الحصول على حمولة مقطورة تقدر بـ 3000 لتر من الماء مقابل ما يعادل 10 دولارات.

ويقول حسن يحيى الخياري البالغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً وهو يقف أمام الماء المنساب من أنبوب مطاطي أسود إلى ناقلة قرب داره في صنعاء: «هناك 1000 شخص على الأقل يعتمدون على هذه البئر، ولكن عددهم يتزايد بسرعة كبيرة.. بينما يقل الماء أكثر فأكثر».