عند الرومان القدماء، كان الاعتقاد السائد هو أن حقول فليجري تضم بوابة الجحيم. وفي العصور الحديثة، بات معروفاً أنها المكان الذي شهد انفجاراً بركانياً مهولاً جداً قبل 39 ألف سنة.
هل سنشهد تجدد هذه الكارثة في المستقبل القريب؟ هذا أحد الأسئلة التي يطمح أن يجيب عليها مشروع حفري ضخم عن طريق إنزال مواسير الحفر إلى أعماق الفوهة البركانية العملاقة التي تعرف الآن باسم (كامبي فليجري). ويخطط القائمون على مشروع حفر أعماق كامبي فليجري، الذي سينطلق قريباً هذا الشهر (ديسمبر)، لحفر سبعة ثقوب عميقة في المنطقة.
وبرغم كل ما يقوله الباحثون العاملون على هذا المشروع بالتحديد عن عدم وجود أية مخاطر تذكر من جراء عملية الحفر، فإن المشروع سينطلق وسط جدل واسع حول ما إذا كانت مثل هذه الأعمال آمنة، نظراً لعدم معرفتنا بطبيعة الطبقات الداخلية للبركان. حتى أن البعض ذهب إلى حد التحذير من أن أعمال الحفر ربما تتسبب بانفجار بركاني عنيف.
ومع أن الفوهة البركانية ليس لها شكل مخروطي واضح للعيان فإنها أضخم بكثير من جبل فيسوفيوس المجاور، حيث (تقع معظم مناطق مدينة نابولي المركزية داخل حدود الفوهة البركانية)، كما يقول قائد المشروع جوسيب دي نتالي، من مرصد فيسوفيوس التابع للمركز الوطني للجيوفيزياء وعلم البراكين في نابولي.
ويقول أوجست جودمونسون، من جامعة هولواي الملكية في لندن، وهو أحد الباحثين العاملين في مشروع الحفر: (إن حدوث انفجار بركاني بمستوى الانفجار الذي حدث قبل 39 ألف سنة من شأنه أن يدفن أجزاء كبيرة من أوروبا تحت الرماد.) وقد شهد البركان منذ ذلك الحين انفجارات اصغر كل بضعة قرون.
وبحسب دراسة مسحية للمنطقة أجراها روبترو إيسايا وزملاؤه في المعهد الوطني للجيوفيزياء وعلوم البراكين في نابلوي، فإن كامبي فليجري يعتبر أحد أكثر المناطق خطراً على وجه الأرض من حيث احتمال حدوث انفجار بركاني، وربما يكون الآن في مرحلة ما قبل الاندلاع. فقد عثر إيسايا وفريقه على ترسبات من فترة الانفجارات البركانية المكثفة قبل 4000 عام. وقبل تلك الانفجارات ارتفع مستوى قشرة الأرض عدة أمتار في أنحاء الفوهة العملاقة.
والمثير للقلق أن شيئا مماثلاً حدث في المكان نفسه أخيراً. فمنذ ستينيات القرن المنصرم ارتفع مستوى مرفأ بوزولي بالقرب من مركز الفوهة حوالي ثلاثة أمتار. وخلص إيسايا من دراسته إلى أن الانفجار التالي سيحصل في غضون عقود قليلة أو قبل ذلك.
وقد يكشف مشروع الحفر عن مواضع التصدع وجيوب الحمم التي لا يمكن الجزم بمواقعها باستخدام الأساليب التقليدية. وقد يظهر هذا أين يمكن أن تتصاعد وتتجمع الحمم قبيل الانفجار البركاني. لكن بعض الخبراء يحذرون أن تلك العملية محفوفة بالمخاطر، مذكرين بما حدث في مشروع مشابه في أيسلندا، يهدف إلى تسخير الطاقة الحرارية للحمم البركانية الباطنية، حين وقع انفجار صغير نتيجة تبخر سوائل الحفر لحظة تسرب الحمم إلى داخل اسطوانة الحفر.
ويقول رالف بوتنر، عالم البراكين في جامعة فورتسبورغ الألمانية: (إن معرفتنا بتفاصيل ما يجري في أحشاء البركان محدودة جدا إلى درجة لا يمكن أن تبرر الحفر العميق في موقع بركاني بهذه الضخامة)، ويشير إلى أن اكبر خطر يكمن في احتمال اختراق حجرة ماجما غنية بالسليكا عن طريق الخطأ تحت ظروف ضغط مرتفعة، ما سيتسبب بتسرب الغازات المحبوسة في باطن البركان وقد يؤدي إلى اندلاع بركاني هائل.
ويقر الباحثون العاملون على مشروع حفر كامبي فليجري أن هناك بعض المخاطر الضئيلة، لكنهم يقولون إن دراسات السلامة التي أجروها أظهرت إن وقوع انفجار بركاني كبير أمر غير محتمل، إلا إذا كان البركان أصلاً على وشك الانفجار من تلقاء نفسه.
علي محمد
