في السادس من يونيو عام 1963 انطلقت أول امرأة في التاريخ إلى الفضاء، وكانت رائدة الفضاء السوفييتية الحسناء فالنتينا تيريشكوفا، التي مازالت حتى الآن رغم تجاوزها السبعين من عمرها تعمل على رأس إحدى المنظمات الدولية في مجال العلوم والتكنولوجيا، وهي دكتورة في علوم تكنولوجيا الطيران الحربي.

وقد منحتها إحدى المنظمات البريطانية التي تعني بشؤون المرأة لقب (سيدة القرن العشرين) في أكتوبر عام 2000، وذلك تقديراً لجهودها العظيمة في علوم الفضاء، وباعتبارها أول امرأة تغزو الفضاء ولم يسبقها في هذا المجال إلا رجل واحد هو رفيقها يوري جاجارين.

نشأت فالنتينا في أسرة روسية متوسطة الحال في ضاحية من ضواحي مدينة (ياراسلافل) التي تبعد عن موسكو بنحو مائتي كيلومتر، ومات أبوها على الجبهة في الحرب العالمية الثانية، وكانت أمها عاملة بسيطة في مصنع نسيج، وعانت الأسرة بعد رحيل الأب كثيرا، وتقول فالنتينا: (لم نعرف السعادة في طفولتنا، شأننا شأن كل الأطفال الذين فقدوا آباءهم في الحرب)، وكان حلم طفولتها الدائم أن تركب القطار إلى موسكو التي كانت تحلم برؤيتها ولا تصدق أنها ستراها يوماً ما.

كبرت فالنتينا والتحقت بمعهد فني في ياراسلافل، وكان كل هدفها أن تنهي دراستها بسرعة حتى تساعد أمها، وفي عام 1960 التحقت فالنتينا بناد لهواة القفز بالمظلات.

وفي عام 1961 تكونت لجنة سرية من هيئة الفضاء السوفييتية كانت مهمتها البحث سرا عن فتيات يمكن إعدادهن لإطلاقهن في الفضاء، واختارت اللجنة فالنتينا ضمن مجموعة من نادي القفز بالمظلات في ياراسلافل، وقيل لهن إنهن سيلتحقن بالقوات الجوية السوفييتية، في اليوم الأخير من مايو عام 1963، وبعد نحو عامين من التدريبات المكثفة وغير العادية.

أبلغت هيئة الفضاء السوفييتية فالنتينا بأنها قد وقع الاختيار عليها لتنطلق إلى الفضاء كأول إمرأة رائدة للفضاء في تاريخ البشرية، وكانت صدمتها لسماع الخبر لا توصف، وكانت الصدمة الأكبر عندما أخبروها بأن ساعة الانطلاق تحدد لها بعد أسبوع فقط، وقفت فالنتينا في غرفتها عاجزة عن التفكير في أي شيء.

واقتربت من النافذة لتنظر إلى السماء التي ستنطلق في أعماقها بعد أسبوع، وتذكرت طفولتها عندما كانت تقف بالساعات تتطلع إلى القطارات المتجهة إلى العاصمة موسكو، وتحلم بأن ترى هذه المدينة الكبيرة الرائعة، وها هي موسكو نفسها كلها عن بكرة أبيها ستقف بعد أسبوع تتطلع إلى فالنتينا وهي تنطلق إلى الفضاء، وليس موسكو فقط بل العالم كله، وهي التي لم تجرؤ طيلة حياتها على الحلم بأن ترى ما هو أبعد من موسكو.

حملت المركبة الفضائية (فوستوك ؟6) فالنتينا إلى الفضاء، وكلمة (فوستوك) في اللغة الروسية تعني (الشرق)، وقد اختار السوفييت هذه الكلمة بالتحديد تحديا للغربيين الذين كانوا يصفون الشرق بالتخلف والجهل.

لم تكن فالنتينا تيريشكوفا تحلم بالشهرة والمجد، ولم تسعى إلى ذلك بعد عودتها من الفضاء، بل انكبت على البحث العلمي لتكمل تعليمها العالي في تكنولوجيا الطيران، وحصلت بعد سنوات على درجة الدكتوراه في هذا المجال الصعب.

مغازي البدراوي