يتجول ثاديوس صلاح في مشتل أشجاره في شمال غرب الكاميرون قائلاً بكل فخر: «قبل عشر سنوات فقط كان الفقر يعم المكان هنا. ولم يكن لدينا ما يسد رمقنا». لكن عائلة صلاح لم تكن تفتقر إلى الطعام فقط، بل لم تكن تقدر على نفقات أقساط المدارس أو الرعاية الصحية أو حتى ثمن كراسي لبيتهم المتهالك تحت سقف من القش.

لكن حظوظ صلاح في الحياة تغيرت في عام 2000، عندما تعلم هو وجيرانه كيف يتعرفون على أفضل أشجار الفاكهة البرية لمكاثرتها في المشاتل. ويقول صلاح: «لقد تغيرت حياتنا كلها بفضل تدجين الفواكه البرية من ثمار المانجا البرية، أصبح لدينا الكثير من الطعام».

ليس هذا فقط، بل ان صلاح يكسب الآن من بيع أشجار الفواكه المحلية البرية، ما يكفي من المال لتسديد أقساط مدارس أربعة من أولاده. لا بل واستطاع أيضاً بناء سقف جديد لبيته من صفائح الزنك وأصبح يشتري أشياء لم يكن يحلم بامتلاكها. حتى أنه يملك الآن هاتفاً متحركاً.

ومن مزرعة صلاح يستطيع المرء رؤية التلال المجاورة المفلوحة بكثافة والتي تمتد على مساحات كبيرة باتجاه حدود النيجر. ويقول زاكري تشونجو، عالم النبات في المكتب الإقليمي للمركز العالمي لزراعة الأحراج في العاصمة الكاميرونية: «قبل عشر سنوات، كانت أشجار البرقوق الإفريقي المعروف باسم سافو نادرة جداً في المنطقة، لكن الآن نراها تنمو في كل مكان هنا».

غير ان انتشار أشجار البرقوق الإفريقي على هذه الهضاب ليس سوى جزء صغير من حركة كبيرة قد تغير حياة ملايين الأفارقة. فالقارة السمراء تضم حوالي 3000 نوع من أشجار الفاكهة البرية، العديد منها ملائم للتدجين، منها على سبيل المثال توت الشوكولاته، برقوق خبز الزنجبيل، برتقال القردة، أوراق الصمغ، العنب الشجري، وغيرها الكثير من أصناف الأشجار المحلية التي قد تلعب قريباً دوراً في ضمان توفير إمدادات غذائية يمكن الاعتماد عليها في المناطق التي تهيمن عليها الآن أمراض سوء التغذية.

أحد مهندسي هذا المشروع هو روجر ليكي، مدير الأبحاث الأسبق في المركز العالمي لزراعة الأحراج، والذي يسمي هذه الأشجار البرية «أصناف سندريلا»: لأن مزاياها الفريدة ربما لم تحظ في السابق بما تستحقه من اهتمام المؤسسات العلمية والتجارية، لكن الوقت قد حان الآن، لكي تخرج إلى دائرة الضوء.

ويقول ليكي إن «آخر جولة كبيرة من تدجين المحاصيل حدثت في منتصف القرن الماضي خلال الثورة الخضراء، التي طورت أنواعاً عالية المحصول من السلع النشوية الرئيسية كالأرز والذرة والحنطة. وهذه الجولة الجديدة التي نشهدها الآن قد لا تختلف كثيراً عن تلك الثورة».

فنظراً لندرة التمويل والتجاهل الكبير من جانب المؤسسات الزراعية التجارية والمختبرات عالية التقنية وحتى صانعي السياسة، فإن ما نشهده الآن هو ثورة فلاحين تحدث في حقول الملاك الصغار في إفريقيا.

ونشأت بذور هذه الثورة في أواسط التسعينيات من القرن المنصرم، عندما أجرى الباحثون من المركز العالمي لزراعة الأحراج سلسلة من المسوحات في المناطق الغربية والجنوبية بأفريقيا وفي منطقة الساحل لتحديد الأشجار المحلية الأكثر قيمة بالنسبة للسكان المحليين. وفوجئ الباحثون بالنتائج، التي أظهرت ان أشجار الفاكهة البرية اكثر قيمة حتى من أشجار الأخشاب المعروفة بقيمتها التجارية. وفي ضوء هذه النتائج غير المتوقعة أطلق المركز في 1998 برنامجا لتدجين أشجار الفواكه المحلية.

ويستهلك الأفارقة الريفيون كميات كبيرة من الأطعمة البرية. حيث وجدت الدراسات أنه في الكاميرون تؤكل ثمار وبذور 300 نوع من الأشجار المحلية، في حين يعتمد 40 بالمئة من العوائل الريفية في زامبيا وملاوي على الفواكه البرية لسد رمقهم خلال «أشهر الجوع»، خاصة يناير وفبراير، عندما تكون مؤن القمح على وشك النفاد.

علي محمد