مشكلة الانجليز على مر العصور.. ظلت محصورة في أن صلتهم «الأرضية» بقارة أوروبا التي ينتسبون إليها مقطوعة. ورغم أنهم أقاموا إمبراطورية عظمى لم تغب عنها الشمس خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، إلا أنهم في قرارة أنفسهم لم تغب عنهم مقولة أنهم يعيشون كشعب في جزيرة معزولة عن القارة البيضاء.. تفصلهم عن أوروبا القنال الانجليزي أو بحر المانش منذ العصر الحجري حسب تقدير خبراء الجيولوجيا.
وكانت قد جرت محاولة لإنهاء تلك العزلة في القرن التاسع عشر. فقد بدأ العمل لحفر نفق من الطرف الفرنسي لبحر المانش عام 1875، ومن الطرف الإنجليزي عام 1881. ولكن تجمد المشروع عام 1882 من قبل الانجليز الذين كانوا في ذلك الوقت في أوج مجدهم الاستعماري. فقد خشي قادة بريطانيا أن يتحول النفق إلى ممر سهل لغزو انجلترا.
ومع ذلك ، ظل الشعور بالعزلة عن أوروبا قائما حتى تحول حلم ربط أراضي بريطانيا باليابسة الأوروبية إلى حقيقة خلال العقد الأخير من القرن الماضي. فالقنال الانجليزي أو بحر المانش لم يعد فاصلا ، بل الرابط بينهم وبين الأرض الأوروبي.
في الأول من ديسمبر من عام 1990 صارت القنال الانجليزي معبرا أرضيا بفضل النفق الذي تم تشييده بعمق 150 قدما (45 مترا). في ذلك اليوم تم افتتاح جزء من النفق ليتم أول اتصال أرضي بين بريطانيا وأوروبا لأول مرة منذ ثمانية آلاف عام. كانت فرنسا وبريطانيا قد وقعتا اتفاقية بناء النفق تحت بحر المانش في عام 1986 بتكلفة 15 مليار دولار.
وعلى مدى أربع سنوات متواصلة شارك 13 ألف عامل في إزالة ثمانية ملايين من التربة بمعدل 2400 طن كل ساعة. وتم بالفعل الربط بين البلدين من بلدة فولكستون البريطانية ومدينة كاليه الفرنسية عبر مسافة طولها يقترب من 50 كيلومترا هي طول القناة.
وفي السادس من مايو 1994 اكتمل تشييد النفق وافتتحته الملكة اليزابيث الثانية والرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران.. تم تجهيزه بخط للسكك الحديدية تربط بين المملكة المتحدة وفرنسا وبالتالي يربط بريطانيا بالقارة الأوروبية . ولذلك يسمى أيضا بنفق أوروبا. ويعد ثاني أطول نفق تحت البحر في العالم(بعد نفق سيكان في اليابان ).
ووصف النفق بأنه من أهم الإنشاءات الهندسية في العالم في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. النفق عبارة عن نفقين مزدوجين تمتد بهما أنفاق سكك حديدية أحادية لسير القطارات الكهربائية السريعة. وبُني النفق لأربعة أنواع من القطارات: قطارات ركاب مكوكية لنقل السيارات والحافلات، وقطارات مكوكية لنقل الشاحنات، و قطارات ركاب سريعة بين المدن، وقطارات شحن.
وهناك محطتان للمركبات والعربات تنطلق منهما إلى قطارات النفق، إحداهما في فولكستون في إنجلترا، والأخرى في كاليه في فرنسا. ويطلب من ركاب القطارات المكوكية البقاء داخل مركباتهم خلال الـ 35 دقيقة التي تستغرقها الرحلة عبر النفق والتي تقطع 50كيلومترا،منها 37 كيلومترا تحت الماء. وتكون الرحلات مباشرة ما بين لندن وباريس، ويمكن للمسافر الذي يستقل قطار نفق القنال في لندن أن يصل باريس في غضون ثلاث ساعات. ويستوعب النفق أكثر من 400 حركة قطارات في كل اتجاه في اليوم الواحد.
ورغم أهمية النفق الإستراتيجية بالنسبة للانجليز.. إلا أنهم في الظروف الحالية التي يعيشها العالم والمتمثلة في الحرب الأميركية الأوروبية على الإرهاب .. هناك مخاوف من أن يصبح النفق هدفا للإرهابيين. ظهر هذا الخوف بعد نشر تقرير للاستخبارات الفرنسية نقلته مجلة «ذي أوبزرفر» البريطانية منذ ثلاث سنوات.. يشير إلى أن النفق قد يتعرض لاعتداء من ناشطين تابعين للقاعدة خلال فترة الأعياد، وعززت الجهات الأمنية في باريس نفس الاعتقاد، وكذلك الاستخبارات الأميركية.
والمخاوف قائمة حتى الآن .. يضاف إليها شعور الانجليز بأن النفق أن كان نغمة كبرى لهم، فإن فيه قليلا من النقم .. منها إلى جانب شبح الإرهاب.. مخاوف من احتمال تدفق هجرة غير شرعية إلى انجلترا عبر النفق. ولذلك فالنفق قد يبدو تحت مجهر الأمن البريطاني حتى لا يصاب بسوء ويصبح نقمة على انجلترا.
حسن صابر
