»بعدت بي المسافة عن علي الجندي سنوات طويلة، فلما عدت إلى سوريا وتسلمت مسؤولية وزارة الثقافة، سألت عن علي الجندي، ما أخباره وأين يعيش؟ قيل إنه شبه منعزل في اللاذقية، فسعيت إليه في بيته، وفوجئت بالشيخوخة تعتلي الفتى الوسيم الأنيق الذي عرفته في مطلع السبعينات، وقد سُررّت بلقائه، وراودني إحساس بأن هذا اللقاء مع الجندي سيكون الأخير، وحين بلغني نبأ وفاته، شعرت أن لبنة أخرى هوت من صرح ثقافتنا».
هذه الكلمات الشفيفة جاءت بقلم وزير الثقافة السوري الدكتور رياض نعسان الأغا في تقديمه لكتاب «علي الجندي الأمير الضليل بودلير العرب» والكتاب تم توزيعه مؤخرا في حفل تأبين الشاعر علي الجندي، وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات النقدية والشهادات الحميمة التي ترسم ملامح السيرة الذاتية والشعرية للراحل، تولى عملية إعدادها وتوثيقها الدكتور علي القيم معاون وزير الثقافة، وقد كتب في مادته النقدية «بودلير العرب»: «كان علي الجندي متأثرا بالفلسفة والفلاسفة وخاصة نيتشة وأوسكار وايلد الذي كثيرا ما ردّد قوله الشهير: إذا أردت أن تكتب فاكتب بدمك، وبالفعل كتب علي الجندي بدمه، بعد أن ملأ الغبار أيامه وأحلامه» .
د. جوجيت عطية إبراهيم التي ربطتها بالشاعر الراحل علاقة صداقة قوية ومديدة، والتي قامت بطباعة أعماله الكاملة في النصف الثاني من التسعينات، كتبت في كلمتها: رحل علي بعد مرض وغربة ووحدة قاتلة ... وكتبت أيضا: «إن الجهد الذي بذلته في جمع وطباعة أعمال علي، يعادل طباعة ونشر مئة كتاب.
المقدمة التي كتبها الراحل ممدوح عدوان في الأعمال الكاملة لعلي الجندي، والتي اندرجت أيضا بين دفتي الكتاب، توضّح علاقة علي الطهرانية بالشعر عموما وبشعره بشكل خاص، حيث نقرأ: «قياسا لحجم ما كتب من شعره، هو أقل الشعراء العرب نشرا وانتشارا، وأقلهم تداولا، وما يُعرف عنه من شاعر هو الشائعة التي خلقها سلوكه وعلاقاته، أكثر مما عُرف من خلال نشاطه أو إلقائه للشعر أو نشره، .. وسأعترف الآن أنني كنت أخاف منه، أعني كنت أحسب حسابا جديا لرأيه.
وكتب صديقه الشاعر علي كنعان: «لم يكن علي الجندي رائد الحداثة الشعرية في سوريا، وحسب وإنما كان رائدا حتى في حياته العاصفة، وزواجه الدرامي، وتصرفاته المتحررة من أعباء التقاليد وبؤس المجاملات وزيفها. وكتب الشاعر شوقي بغدادي: «أتذكره الآن بكامل أوصافه زميلا في كلية الآداب بجامعة دمشق، شابا وسيما أنيقا ساخرا ضاحكا باستمرار. أما الشاعر سهيل إبراهيم فقد ودّعه بقوله: «أيها الصديق الراحل، سلام على ثراك الطيب، ففي ثراك يرقد طفل مديد القامة، اخضر العينين، كان قنديلا للشعر، تجوّل في ليالي دمشق أكثر من ثلاثين عاما .
حول علاقة الراحل بالشعراء كتب راسم المدهون: «جعلني أتوقف دائما أتوقف أمام صداقاته الكثيرة للشعراء ومن كل الأجيال، وهي صداقات وضعته طيلة حياته قريبا من التجارب الشعرية الجديدة، في ذات السياق كتب خليل صويلح عن علي: «صديق السياب منذ أول زيارة له إلى دمشق كان دليله إلى الحانات والبهجة، إذ كانت قصائده قد سبقته إلى بيروت وبغداد .وكتب حسين عبد الكريم: «علي الجندي وفايز خضور ومطعم الشرفة في اتحاد الكتاب، شركاء وندماء وأصدقاء وشعراء دائما، وعشاق فاشلون، ويجيدون الحفاوة والترحيب بزوّار كثيرين» .
وعادت ذاكرة خضر الأغا إلى لقائه الأول بعلي فكتب: «كان علي الجندي ثاني شاعر أراه وألتقيه على وجه الأرض بعد فايز خضور، كنت للتو أتعرف على الشعر، وأحاول كتابته في منزل أخته أم حسين في السلمية الذي كان محتشدا بأصدقاء الشاعر الذين يناقشون سياسة الكون برمتها، قال لي: نحن شعراء ولا تهمنا هذه الأحاديث، عندما غادرت قال عدّ غدا لنجلس كشعراء، وقد أشار أنور بدر إلى عزلة الشاعر في سنواته الأخيرة بقوله: «عاش شعره وقناعاته كجيل، بل عبّر عن جيل بأكمله في العشق والثقافة وحب الوطن.
دمشق - تهامة الجندي

