ها هو العيد الكبير يأتي على الوعد المحدد، عيد لا يخل بموعده ولا يغير عادة الحضور إلى أهله. تستقبله قلوب الجموع كلهم، قبل شروق اليوم العاشر من ذي الحجة، يصدح التهليل والتكبير مجللا يعبر الآفاق في درب التوجه لصلاة العيد وبعدها نحر الأضحية.
الأعياد بركات تسبغ الناس بهالات الرضا والسلام، وتجدد النفس بها طاقة الإيثار. كانت الأعياد في عين الصغار ثياب جديدة وملونة، وزخارف حمراء في كفوف النساء، ومراجيح تعلو تحمل الأحلام لعيون السماء.
ومكرمات النقد هدايا متعارفة، حق لأطفال (الفريج) يمنح بالطيب وأدعية البركة، يتخاطفها الصغار ليكملوا جولة التحصيل، تشيّع أقدامهم الضئيلة ابتسامات المنافسة فيما بينهم، فتشحذ الهمة للوصول إلى أبعد منزل في الحي، فأبواب كل البيوت مشرعة، وكل الأهالي مستعدون بعيدية الصغار، ينتظرونهم بأوراق نقدية مصقولة من الجدة.
وينتهي النهار الأول، فتعود أفواج الطفولة بحصيلة تنثرها على سجادة الغرفة الكبيرة لتحصي الغلة، ويبدأ العد بصوت مسموع، ولا ينتهي العد فكم مرة تتقاطع الأصوات وتعلو صرخات الاحتجاج على من زادت غنيمته.
حشود الصغار تملاْ أيام العيد الثلاثة، فالجولة تتكرر كلما نفدت (العيدية) على المراجيح، والبقول المغلية، والمكسرات المملحة، والطائرات الورقية الملونة، ولا تنسى حصة الحلوى بألوانها الزاهية وأشكالها المختلفة.
أما العرائس ذوات الأثواب المزركشة فهي اختيار الفتيات من أول غلة في العيد، والبنادق ذات الحشوة الفلينية هي اختيار الصبية المفضل. وأما من ينتظر حاجا فإن الراية جاهزة لفور وصوله بالسلامة لتعلو فوق سقف البيت مرفرفة خفاقة معلنة عن وصول حجاج هذه الدار، ولهذه الفرحة تقاليد لا يتنازل عن حظهم منها الصغار كذلك.
هكذا كانت الأعياد بالأمس القريب، كم هي الأيام تجري، فتقلب الأحوال بلا هوادة، وتغير أنماط الحياة وأشكال البشر، وتجعل الأيام تتداخل تتشابك، وتبدو في تشابه. لكنه العيد يأبى إلا أن يحمل نكهته المباركة، وطقوسه الموثقة في تفاصيل الأيام والليالي تاريخا من الأصالة والتراث، تتوارثه الأجيال، وتحمله عهدا مؤكدا ليبقى للعيد اعتباراته التي لا يهزمها الانفتاح ولا معطيات العصر المادية والآلية. فيبقى العيد ابتسامة الكبار، وبهجة الصغار الدائمة.
فاطمة محمد الهديدي
