تتعدد فيها الشواهد وتكثر الرموز في أركانها، وتتوزع على ميادينها صروح النور. فأينما نظرت وجدت معلما يبتسم لك قائلا.. وصلت، فابتسم وقد حللت في عيونها.

أبدعها التاريخ من قلب القمر وأودعها جوار بحر كأنه الفيروز السائل. رائعة هي كحلم بزغ مع تباشير فجر فتح عينيه على اتساع كتاب خالد قال فيه الله اقرأ.

اقرأ.. أول أمر يمنحك مفاتيح الحياة كلها، ويدعوك لرحلة الأسفار في أكوان الطبيعة ومجاهل الآفاق، وإمعان العقل والنظر.

هي هكذا مذ أشرقت إمارة للنور امتثلت لأمره فقرأت وقرأت، وتنفست حروفا من سحب البلاغة حتى خطفها الكتاب كلية، فتكحلت بشمس من معارف العلوم كلها، وانفتحت على عواصم من نور فغاصت في رحيق الدهشة المنبثقة من كل ما تطالعه.

فتعلقت صدر الكتاب، ولطالما حضت عليه كل ناطق بالضاد حولها، أضحى الكتاب غذاءها وهاجس التحصين في محرابها، رسمت به رؤى الغد، وجعلته خطة تواجه التغريب. وهاهي وقد تشكلت لوحة بروازها حدائق مشرعة تتألف من دور حافظة، حضنت بها أمهات لمعارف وثّقها التاريخ على مر الزمن، فلم تكل يوما ولم تمل من تصفح مكنوناتها، إذ أدركت أي نعمة حانت لها، فقد آمنت بالكلمة وامتثلت لأمر الله «اقرأ».

وإذ تذوقت معين الكلمة دعت لركبها محترفي القلم، فأنشأت للحرف مهرجانا يتزايد رواده في كل عام، وكل عام تزهر بهم حدائق جديدة تراها بين دفتين أو في دار نشر رافدة.

إنها مدينة أُغرمت بالحرف في أول آية قد أنزلت، فأنجبت للفكر والشعر والأدب من أبنائها الرواد. وعلى مدى عقود ثابرت حتى اتسعت دائرة الإبداع في محيطها وذاع صيتها كأيقونة للثقافة لا يحدها إلا شعاع الشمس، وإذ أخلصت لكلمة مفادها اقرأ.. حازت على مسماها الذي انتصب ذكرى عاصمة لكل جيل مقبل، فيحفظ الأمانة ويخلص لكلمة التنزيل الخالدة.. كلمة مفادها اقرأ.

فاطمة محمد الهديدي