الزمن.. النصف الأول من عقد السبعينات، كنت أعمل في مدينة العين، ولي فيها بعض الأقارب، بينما كانت عائلتي لا تزال في الأردن، وكنت قررت الزواج فرحب أقربائي بطلبي ليد ابنتهم المعلمة، وتم الزواج، ثم بعد عام أكرمنا الله بطفلة. حين بلغت الصغيرة أربعة أشهر قررت السفر بها إلى أهلي في الأردن. كان لدي سيارة ذات دفع رباعي، وهي منتهى الرفاهية في ذلك الوقت، فعزمت السفر بها.
كانت الطرق معبدة لكنها ليست حديثة، فلا مشكلة طالما سيارتنا قوية فلن تهزمها الرمال ولا الكثبان.
انطلقنا بعد أن جهزنا كل ما نحتاجه نحن والصغيرة التي مازالت تعتمد في غذائها على صدر أمها، إضافة إلى عدد من جالونات البنزين.
وعلى بركة الله مضينا، كنا ثلاثة، زوجتي والطفلة وأنا. انطلقنا من مدينة العين باتجاه أبوظبي العاصمة، ومنها باتجاه قطر لنجتاز جزءا منها ثم نأتي حدود المملكة العربية السعودية، ذات الحدود الطويلة والمتشعبة والممتدة في عمق الصحراء الشاسعة. قطعنا مسافات بدت كأن لا نهاية لها، كان الشعور بالأمان مشبوبا بمشاعر جدة المغامرة، حيث تغمرك الصحراء من كل جانب وجهة، وتحيطك بغموض يغريك بالتوغل نحو أعماق لا يثنيك المجهول عن اجتيازها.
كنا إذ احتجنا استراحة نختار شجيرة نوقف سيارتنا جنبها ونجعل السيارة ساترا إضافيا، وإذ نأخذ كفايتنا من الطعام والشراب نستأنف السير، إن لم نود الاسترخاء قليلا.
كانت لنا محطات متتالية من مسطحات الصحراء المترامية في قلب الصمت. مضى اليوم الأول وقد قطعنا مئات الكيلومترات من الكثبان والتلال الناعمة، ذات الحشائش أو تلك العارية من أي حياة ونبات. كان الوقت عصرا حين قررنا التوقف لتناول التمر وشيء من الكعك المحشو المعد في البيت، وإرضاع الصغيرة وتغيير ثيابها. فرشنا الحصيرة والقينا عليها وسادتين من القطن، ثم وضعنا فنجالين من البورسلان الأبيض رسمت عليهما نخلة ذهبية، وترمس كان لا يزال يحتوي قهوة تحتفظ بقليل من حرارة دافئة.
ولم تكد زوجتي تنهي تغيير ثياب الطفلة حتى لاح لنا طيف قادم من بين التلال، يرفع يده ملوحا بالتحية، بادلته التحية وأنا ادعوه مرحبا، كنت أجهل مكونات الصحراء ولا أعلم أين يقيم سكانها بالتحديد، فظننت انه أحدهم يقيم خلف تلك الطعوس الغائرة في قلب الصحراء.
كانت فرحتي عظيمة بمرأى جنس بشري بعد كل ذلك السير برفقة مجاهل الصحراء. كانت قسمات الرجل قاسية كأنها منحوتة بعوامل التعرية، كان يرتدي ثوبا خفيفا فضفاضا مفتوحا على صدر برزت منه عظام نافرة، يضع على رأسه عصابة كالحة رقيقة مثبتة بعقال رفيع أسود من شعر الغنم المغزول، يتدلى طرف منه على أحد جانبي وجهه بينما تظهر ظفيرتان متوحشتان تتدليان على ظهره، كنت قد سكبت له فنجال القهوة الأول وأثناء ميله ليلتقطه قفز قلبي إذ انحسر ثوبه عن حزام مرصع بالرصاص، أدركت الخطر في الحال تحينت لحظة وأومأت لزوجتي بأن ترضع الصغيرة في السيارة على أن تجعل السيارة في وضع التشغيل.
أخذ الغريب يقول بنبرة بين الجد والمزاح ما رأيك تعطيني الطفلة، ضحكت بينما أسايره بالكلام، وأنا أضمر حيلة للنجاة، ثم نهضت ضاحكا وأنا أحثه لتناول الكعك بينما أجلب المزيد.
وبحركة قدرية كنت داخل السيارة منطلقا بحركة دائرية سريعة أثارت اكبر قدر من التراب نحوه، ليحجب عنه الرؤية. وكان في الانطلاق بلا توقف إلا عند بيت الأهل في عمان هو النجاة والسلامة.
