الفن يمر عبر العيون، والعيون تنظر من البنايات والجسور إلى المارة. تتبادل العيون النظرات من هنا ومن هناك، لتجسد معاني النظرات وعمقها آفاقها وحيرتها، صورة التقطها فنان فرنسي شاب عمره 26 عاماً، يجول العالم كله من أجل اقتناص نظرات العيون منذ عام 2001 .
اختزل اسمه إلى حرفين: جي. آر. وجعل من الأبنية والجسور والأماكن العامة ساحة لمعروضاته وأفكاره. وأبطاله من النساء اللاتي قابلهن في أماكن عديدة من العالم: الهند والبرازيل ونيجيريا ودول أخرى حيث البؤس والعنف والخيبة التي لا نراها إلا من خلال العيون. اسم المعرض «نساء» ومكان العرض هو جسر سان لوي التاريخي في باريس حيث لا يمكن لأي عابر أو مار إلا أن يرفع رأسه ويرى تلك العيون التي كبرها الفنان إلى أحجام كبيرة، تغطي جسد الجسر وأعمدته، والغرض من هذا التجسيد المضخم هو لفت النظر إلى جزء هام من جسد الإنسان، وهو العيون. وهنا استطاع الفنان أن يحقق هدفه في ابراز موضوعه من خلال فن الكولاج القديم الذي يُلصق على الجدران. إنه نوع من الفن المديني نسبة إلى المدينة الذي يتعامل مع السكان بل ويشركهم مع العملية الفنية إلى أقصى حد ممكن.
ويؤمن الفنان أن الصورة هي اقتناص اللحظة وتخليدها ثم عرضها:
النساء هن أبطال هذا المعرض المتميز. عيون عملاقة ضخمة تظهر أهمية النظرة التي تحتوي على كل المعاني الإنسانية، وهي تنظر إلى المياه الجارية في نهر السين.
أطلق الفنان على مشروعه «28 مليمتر» وهو حجم عدسة الكاميرا الفوتوغرافية التي استخدمها الفنان في تصوير العيون والوجوه حيث قادته إلى الأماكن الرمزية حيث يوجد الفقر والعنف والبؤس. عبّر من خلال صوره الفوتوغرافية عن نساء لفهن النسيان، وهن بطلات الحياة اليومية، اللاتي يناضلن من أجل الحفاظ على عوائلهن وحياتهن.
والفنان يذهب إلى الأماكن الأكثر خطورة مثل «مورو دا بروفيدانسيا»، وهو أقدم مكان في ريو دي جينيرو، مشهور بالجرائم وتجارة المخدرات، واستطاع أن يقنع النساء في هذه البيئة الصعبة أن يقفن ليصورهن بكامرته. وبمساعدة الأطفال قام بلصق تلك الصور على جدران البيوت هناك. ابتدأ بمعرضه في ذات البيئة وأحدث نوعاً من الثورة على كل ما هو ساكن وجامد، وحرّك مشاعر الناس ونبههم إلى ما هو كامن في دواخلهم.
يقول الفنان بهذا الصدد «عندما أصل إلى تلك المناطق لا يفهم الناس ما أرغب بالقيام به من أجلهم، وهم يقولون لي: لا معنى للفن! بماذا ينفع الفن؟ ولكن هؤلاء الناس فخورون بأن هناك من يهتم بهم، وهم يرون صور عيونهم معلقة على جدران المدينة.
فقد وصل الفنان جي. آر. إلى كينيا، في منطقة كبيرة، بعد الشغب الذي اندلع بعد الانتخابات. وهناك قام بلصق نظرات عيون السكان على جدران الأبينية. وقد وضع عليها غطاء بلاستيكياً ليحافظ على لوحاته أو صوره الفوتوغرافية من ضرر الأمطار. وقام أيضاً بلصق صور هذه العيون على عربات القطارات التي تقطع مدن الصفيح وتنقل السكان الفقراء. وفي أسفل الجسر قام برسم بقية أجزاء الوجه بحيث عندما يمر القطار على الجسر يحدث نوعاً من تكامل الصورة وتظهر العيون في الوجه، وتتكامل معها، لتشكل الوجوه كاملة للحظات. ويستمتع المارة بهذا المشهد السينمائي، السحري، ولأول مرة يقف الناس ليشاهدوا نوعاً من الفيلم السينمائي الذي يمر أمامهم. وكل هذا الفيلم عبارة عن لقطة عيون تنظر وتعبر عما يجول في ذهن الإنسان من معاناة وألم في عالم قاس.
التقط الفنان كثيراً من صور العيون في الهند وغينيا وكمبوديا. وعلى القطار الغيني الذي يبلغ طوله 1500 متر وعرضه 6 متر، تظهر الصورة بالأسود والأبيض وهي تغطي أرصفة محطة القطار. وفي أسفل الصور، يوجد رقم هاتف يسمح لمن يتصل أن يسمع النساء البرازيليات أو الهنديات أو الأفريقيات أو يسردن قصة حياتهن.
وهناك بعض الصور لا تظهر ملامحها الفنية إلا من خلال تكبيرها كما اللقطة السينمائية الكبيرة التي تبهر الجمهور، وهي لقطات تعود إلى أوائل الفنانين السرياليين الذين حرصوا على تجسيد كثافة النظر وعمقها.
وأكثر من ذلك قام المتعاطفون مع هذا الفن بإنتاج قمصان تحمل هذه العيون.
وهذه اللوحات أو الصور الفوتوغرافية المبهجة والحزينة في آن واحد، تقوم بدور التعبير عن الحقيقة الرهيبة الموجودة في عالمنا. والزوار والسياح في باريس يرون في هذه الصور نوعاً من الجذب الذي أعطى قيمة إلى أرصفة جسر سان لوي بل وميزه عن الجسور الأخرى.
وقد وصفه النقاد إنه أركيولوجيا المستقبل وكل ما هو يومي وحياتي.
ويبلغ طول جسر سان لوي 700 متر من الأرصفة غطاها الفنان بصوره.
والجميل في هذا المعرض هو مشاركة الجمهور فيه بشكل فاعل، حيث قام أربعون متطوعاً بتحويل هذا الجسر إلى قطعة فنية، مبهرة للنظر وباعثة للتفكير والتأمل عن أناس غائبون عنا، لا نفكر بهم لولا هذا الفنان الذي ذهب إلى حيث يعيشون والتقط لنا نظرات عيونهم. ويبلغ طول هذه الصور نحو 6 كيلومترات من الورق، قاموا بمعاونة الفنان في لصقه على الجسر المشيد من الحجر.
المعرض يعبر عن الفن الجماعي إن صح التعبير، يعاونه مجموعه من الأصدقاء والمتعاونين والمتدربين. وكما يقول الفنان إن «الناس الذين لا يتمكنوا من الصعود على الرافعات ولصق البوسترات، قاموا بتقديم فناجين القهوة لنا».
وقد أحدث هذا المعرض نوعاً من الحركة في الحيّ الذي يقع فيه جسر سان لوي حيث يقف المارة وينبهرون بهذا العمل وقسم منهم يصفق. وعلى الرغم من أن المعرض يستمر لفترة محددة إلا أن ذاكرته تبقى في الأذهان لمدة طويلة. وكان من الصعب على الفنان أن يقنع بلدية باريس والشرطة من أجل تنفيذ معرضه، بحيث لا يؤثر على حجر الجسر، وتأثيرات الماء وعمليات التنظيف عليه.
والصعوبة التي واجهها الفنان هو أخذ القياس المضبوط لصوره التي تلصق على الجسر، وطبع العيون تماما في المكان الذي يتلاءم مع نتوءات الجسر حتى تقع في المكان المناسب.
إضاءة
الفنان يمّول معرضه بنفسه
بلغت تكاليف هذا المعرض نحو 130 ألف يورو، قام الفنان بتمويله بنفسه، وذلك مما كسبه من ورادات بيع صوره في كل من برلين ولندن.
ولم يكن يعر الفنان الشاب أي اهتمام للتكاليف وكل ما كان يسعى إلى تنفيذه هو «الرحلة داخل تاريخ حياة النساء، وسرد قصصهن إلى العالم أجمع لإخراجهن من عزلتهن وتهميشهن».
إضاءة
الجسور .. أماكن للعرض الفني
هذه ليست المرة الأولى التي يتعامل فيها الفنانون مع الجسور، فقد سبق أن قام الفنان كريستو بتلبس جسر بون نيف بقماش أخضر في عام 1985 ولكنه ليس كولاجاً لأنه لم يكن يسمح له بذلك.

